لأعزائنا الصغار

رسامات

عيون بخديدا

Museum متحف

أرشيف بغديدا هذا اليوم

فنانونا السريان أعلام

أرشيف الموضوعات

من نشاطات الرابطة الكتابية في بغديدا        رواء موسى بوسا

ساراي وهاجر وابرام، علاقة مثلثة من العنف[1](ملخَّص)

(احترام الشخص البشري، في كرامته وحريته وآخريته)

تعرض رواية تكوين 16 ثلاث شخصيات (أبرام (الزوج)، ساراي (الزوجة) وهاجر (الأمَة). وعلاقة مثلثة نكتشف فيها غياب (او تغيب) الله، وغياب الحوار بين الإنسان وهذا يفتح الطريق أمام العنف. إذ يأخذ الإنسان زمام الأمور ويحاول ان يتدخّل لإكمال مخطط الله. فيستخدم كل الوسائل والحيل البشرية، لا بل يلغي وجود الآخر كشخص ويستخدمه كوسيلة. يمكن تقسم الرواية الى ثلاثة مشاهد:

المشهد الأول: العلاقة بين ساراي وأبرام (تك 12: 10-20): عند وصولهما الى مصر، يوجّه أبرام الى ساراي صلاة، توسل او طلب. عند الاقتراب من مصر يلاحظ ابرام فجأة جمال ساراي، فيخاف على نفسه. الخوف على حياته يجعله يكلم امرأته، إنها أول مرة في الكتاب المقدس يحصل حوار  بين رجل وامرأة. الإنسان (آدم وحواء) عندهما لسان، يتكلمان مع الله ، مع الحية ولكن حتى الآن لم يسأل احدهما الآخر شيئاً. ما قاله ابرام لساراي يجعلنا نفكر بما قاله آدم لامرأته دون أن يسميها "هذه الان عظم من عظامي، ولحم من لحمي، هذه تسمى امرأة، فهي من أمريء أخذت" (تك 2: 23). نلاحظ هنا النقص الكبير في العلاقة. يكلّم آدم امرأته بصيغة الغائب (هذه عظم... هذه لحم ...) وليس المخاطب (أنتِِ... ). يجعل آدم نفسه في الوسط وكأنه هو أصل المرأة "خالقها"، لكن الله هو خالقها. فُصِلت المرأة عن الرجل فلم تعد جزءًا منه؛ لكنها تعود إليه بأشكال: شيء يمتلكه، أمة اشتراها، زوجة بإزائه (وهذه هي العلاقة الصحيحة).

نعود الى أبرام في كلامه مع إمراته: فهو يُكلّم امرأته بصيغة المخاطب: أعرف أنّكِِ (أنتِِ)... قولي (أنتِِ). آدم يقول ما عنده ويضع نقطة في نهاية السطر، بينما تكلّم ابرام وانتظر الجواب حتى ليبدو توسّل الى ساراي. لا تقول شيئًا، بل تطيعه صامتة. يطلب أبرام من ساراي أن تُنكر زواجها وهكذا يستطيع أن يبقى على قيد الحياة. يترك أبرام العلاقة التي أرادها الله للإنسان لئلا يبقى وحده (تك 2: 18)، فيُحطّمها لينجو بحياته. نلاحظ هنا منطق العنف عند الرجل بما فيه من أنانية. ينسى ابرام، تمامًا، حضور الله ووعده ويُخطط مسار حياته بنفسه. فهو بطلبه يغتصب حق ساراي كأم لابن الوعد، لا بل انه يغتصب حق النسل الموعود به.

تنازل عن رسالة: ان صمت ساراي يجعلنا أمام نقطة مهمة هي الأمانة للرسالة. بموقفها هذا تتنازل عن رسالتها بان تكون ام شعب الله (ام ابن الوعد)، تتنازل عن كونها أم تلد الحياة. وهي أيضا تغتصب حق الآخر الغائب (اسحق ونسل الوعد، نحن). ابرام وساراي يتصرّفان بطريقة لا تلتقي مع وعد الله (هنا نقرأ العنف الذي يمارسه ابرام على ساراي وساراي على النسل الموعود به).

رسالة جديدة: بطلب ابرام حدث في القصة تغيُّر عميق. من الآن لا يعود ابرام في المركز بل ساراي. ماذا يعني توسُّل ابرام بالنسبة لساراي؟ ان طلبه لا يتركها في لا مبالاة، انه يضعها أمام دعوة جسيمة وخيار خطير. إنّها ترى ضيق الآخر واجبًا، طلب الطاعة هذا لا يتضمن إذلالاً أو انخفاضاً للإنسان السامع المُصغي، بل يتضمّن اختيارًا. تختار ساراي، رسالة جديدة، ان تُعين الآخر في ضعفه، ان تُجيب بالإيجاب على توسله (حاجته). ضيق الآخر يمنع الأنا من كل راحة ولا مبالاة. الطلب ليس واجباً فقط وانما يجعل حياة المقابل كلها في الميزان. ليس سهلاً أن نقدِّم الآخر على الذات. ساراي تعطي جوابًا ايجابيًا وان لم تقل شيئًا، إنها تُفضّل الحركة التي لا ترجع الى الذات،  تأخذ على نفسها كل الأخطار التي تُهدّده هو. من أجل الآخر تُعرّض نفسها للألم، توافق أن تُبدّل هويتها فتكون أُختًا لأبرام. أول كلام بين رجل وامرأة يؤدي الى تغيير جوهري في تفكير ساراي عن نفسها فينشأ كيان جديد: الاختية، اختية أخلاقية[2] وليست قرابة دموية. ساراي تتنازل عن حماية نفسها فتحمي ابرام.

لم تتكلّم ساراي فأخذوها من بيتها "وأحسن فرعون الى ابرام بسببها... . أما الرب فضرب فرعون وأهل بيته بسبب ساراي امرأة أبرام" (تك 12: 16-17). النص يفتح نافذة رائعة إن قرأناه في حرفيّته. فاللفظ العبري في آ16:  (ب ع ب و ره) أي (عِبرَ سارة)، بواسطتها. وهكذا عَبَر أبرام بواسطة امرأته فنال كل هذا الخير. أما في آ 17 فهو (د ب ر) أي الكلمة ويسبقها الحرف عَل (على كلمة ساري نزلت الضربات، فالله يسمع لذلّها ويُخلّصها من العنف الواقع عليها). هذا يعني ان ساراي التي لبثت صامتة أمام ابرام  تكلّمت أمام فرعون[3]، دافعت عن نفسها أمام الله وطلبت منه فضرب فرعون وأهل بيته. لقد عرّفت بنفسها ورفضت كذب زوجها. فتفهّم فرعون وضعها وأعاد المرأة الى زوجها.

المشهد الثاني: العلاقة بين هاجر وساراي (تك 16: 1-3): منذ آ1 نقرأ "وأما ساراي امرأة ابرام فلم تلد له ...". فالولد لا يكون لها بل لرجلها. بما أن لا ولد لأبرام سوف يُفعل المستحيل لكي يكون له هذا الولد، دون الأخذ في الاعتبار شخص ساراي. هنا يبرز شخص هاجر الجارية التي ستعطيها ساراي لأبرام. إعطاء الجارية ما هو إلا حيلة قد تكون او لا تكون شرعية، للتغلّب على توقف تيّار الحياة، إلا ان الانتصار على العقم موقوف على الله وحده. ولكن ما يلفت الانتباه هنا هو ان هذه الأمة لها اسم (هاجر)، والراوي في هذا الخبر يُسمي الأمة دومًا باسمها ليدل على أنه يرى فيها المرأة إزاء الرجل.

التدخُّل في مخطط الله (اتخذت ساراي المبادرة لتؤمّن النسل): الوضع صعب بالنسبة لساراي وقد تكون خافت على نفسها من العار ومن ان لا تترك لها اسماً حيًّا بعدها (الخصوبة هي بقاء الإنسان حيًا عبر الأجيال). فوجدت الحيلة: خذ "جاريتي، لعلّ الرب يرزقني منها بنين" (16: 2). لم تصبر ساراي، فوضعت أملها في الوسائل البشرية. والذي دفعها الى هذا العمل هو انها ترجو أن تُبنى بولد. لو عدنا الى النص الأصلي وترجمته الحرفية (لعلّي أُبنى منها، أو لعلّه يكون لي أبن منها)، ونتذكر خبر الخلق في (تك 2: 22) "وبَنى الربُّ الإله من الضِّلع التي أخذها من آدم" حيثُ يُقال ان المرأة بُنيت. بناها في ذاتها قبل أن تكون أمًّا. ان مبادرة البناء لا تعود الى المرأة بل الى الله الذي جعل المرأة تجاه الرجل. وإذ طلبت ساراي ما طلبت وسعت اليه، فبالنظر الى شهوتها، فاستعملت هاجر كوسيلة بل استعملت أبرام نفسه. هل سألت هاجر رأيها؟ في هذا الموقف سقطت ساراي وارتفعت هاجر. استعملت الأميرة العنف فارتدّ عليها (أصبحت جارية). كان أمل ساراي أن تُبنى فإذا هي تُذل وتنحدر.

المشهد الثالث: أبرام بين هاجر وساراي (تك 16: 4-6): ابرام لا يفعل شيئًا. يبقى صامتًا. لم يتحرّك ولم يتكلّم ولم يعمل ما يجب ان يعمله الرجل العادي الذي يُدخل إمرأة أخرى في قلب علاقته مع امرأته. يبدوا انه استسلم لإرادة ساراي، بعد أن وصل اليأس الى قلبه، فلتفعل ساراي ما تريد، المهم ان يكون له ولد. وهكذا التقت شهوته (ان يكون له نسل) مع شهوة المرأة (ان تُبنى بولد). "دخل على هاجر .. فحبِلت.."، صار أبرام فاعل الأعمال وهكذا لم يتحدّ بالغريبة ولا بالجارية، بل بهذه المرأة التي أسمها هاجر. فكأني بهذا العنف الذي تصرّفت به ساراي، لم يجد تجاوبًا عند الرجل. وهذا ما سوف يغيظها. تألمت ساراي من عقمها، ولعب الحسد في قلبها من هذه الجارية، فَمَن المسؤول عن هذا الوضع؟ بالتأكيد ليست الجارية، لانها لم تتكلّم بشيء حين أعطتها سيدتها لأبرام، إذن هو ابرام فكانت صرختها: العنف الذي يحيط بي يأتي منك. ذاك هو معنى "غضبي عليك".

ما هو هذا العنف الذي تتكلّم عنه ساراي؟ ولماذا توجّه كلامها الى أبرام لا إلى هاجر؟ ولماذا تلجأ الى الله، ذاك الذي تجاهلته حين بحثت وحدها عن حلّ لعقمها، فَحَطّمت حياتها الزوجية؟ اللفظ العبري (ح م س) يعني العنف، الظلم، الغضب.. لذا نستطيع ان نقرأ: أنت سبب العنف الذي يُصيبني، يا ليته يقع عليك. نلاحظ في حياة أبرام وساراي ما يمكن أن نلاحظه في مسيرة آدم وحواء، وبالتالي في مسيرة الرجل مع امرأته والمرأة مع  زوجها. كان التناغم تامًّا. ولكن حين جاءت الخطيئة، تهرّب كل واحد من مسؤوليته. اعتبرت سارة نفسها ضحية عنف ابرام. يقول هولمز[4] "حين يغيب الله، يسود العنف، ويصبح الانسان ذئباً لأخيه الإنسان". بعد ان تركت ساراي، ثم ابرام مخطط الله وبنيا مخطّطاً على قياسهما فهِما خطأهما.

"غضبي عليك" يمكن ان نقرأ هذه العبارة في خطين: الأول: اعتبر ابرام هذه الجارية كامرأة له بكل ما للكلمة من معنى، في علاقة من الاحترام. الثاني: أمِِلَت ساراي أن تُبنى (آ2) كامرأة. لو أراد أبرام أن يبني ساراي كامرأة، لوجب عليه أن يرفض لها طلبها في أن يكون لها ولد. هذا يفترض منه قبولاً لأمرين هما: 1- واقع يُفهِمُه ان لا نسل له (دون أن ينسى وعد الله). 2- نزاع مع ساراي تجاه وضعها كامرأة عاقر: لو كان ابرام لم يوافق ساراي لدلّ على احترام عميق لها[5]، فيكون بذلك قد بناها وساعدها على تقبُّل وضعها كامرأة عاقر.

واستسلم أبرام ثانية لساراي، فدلّ على أنه لم ينفصل عن امرأته. قال: "هذه جاريتك في يدك". غسل أبرام يديه وكأن شيئاً لم يكن. لم يأخذ مسؤوليته تجاه هذه التي صارت زوجته وحبِلت منه. فأذلت ساراي هاجر. هكذا بعد أن كانت هاجر وسيلة خلاص لسيّدتها، صارت كبش محرقة. نلاحظ هنا منطق العنف الذي لا يسمح بالحوار. والخطأ الكبير يعود على ابرام الذي قطع الحوار مع امرأته وتركها تفعل كما تشاء. لم يبقى للجارية خيار سوى الهرب ومبارحة المكان. مثل هذا العنف كاد يقودها الى الموت. ولكن ملاك الرب أعادها الى الحياة. ونسلها سيكون كبيراً بحيث لا يُحصى لكثرته.

بدا الله وكأنه غائب وتصرّف الثلاثة كل من منطقه البشري وتوالت الحيل حيث القوي يسيطر على الضعيف، والسيد على العبد، والجارية تتعالى على السيدة. وفي النهاية نقف أمام حضور الله الذي سيكشف لكل واحد موقعه ورسالته. غاب الله فسيطر العنف. عاد الله فحلّ السلام، واتخذ كل واحد  مكانه في مشروع الله الذي يختلف عن مشاريع البشر، وهو مشروع لا يستعبد أحدًا ولا يُذلّ أحدًا، فيكون الرجل تجاه المرأة، والسيد تجاه العبد، والوالدون تجاه أولادهم.

قراءات على الواقع

·   بسبب المجاعة يترك ابرام الأرض: هل ننتقده أو نلومه؟ لأنه هو الذي يتدبّر أمره فينسى وعد الله، والأرض.  هلاّ  نعمل الشيء ذاته في الصراع من أجل البقاء، مثل الهرب من واقعنا اليومي للحفاظ على حياتنا.

·   ابرام ينتبه الى جمال ساراي عندما يصبح مصدر خطر عليه (الآخر مهمّش في حياتنا ولا نعيره اهتمام إلا عندما نحتاجه). الآخر حاضر بإزائنا لا كتلبية لحاجتنا بل ليقاسمنا ويشاركنا الحياة.

·   الإجابة بالإيجاب على حاجة الآخر العاري الفقير. سارة توافق على الأختية الأخلاقية وتجيب بالإيجاب على فقر الآخر.

·   هل لحب القريب حدود: قيمة الذات وسلامتها كشخص حَدٌّ لا يمكن تجاوزه. لابد من التوفيق بين المسؤولية الضرورية عن الآخر وبين معاملة الذات كهدف وقيمة في ذاته.

·   ابرام وساراي يغتصبان حق الغائب (ابن الوعد): في حياتنا نسيّر الأمور بحسب ما يوافقنا دون ان ننتبه ما الذي نتركه للأجيال بعدنا.

·   استعملت ساراي، السيدة، هاجر كغرض ووسيلة لغاية تريد أن تحققها: أحيانا يكون تصرّفنا مع من هم حولنا بنفس الطريقة خاصّة علاقة الآباء بأولادهم، والمسؤولين بمرؤوسيهم وفرض رأي معين. وأحيانا ربما العكس يصبح الوالدون وسيلة لقضاء أغراض معينة

·   عدم كلامنا او قبولنا للواقع غير الصحيح هو اشتراك في العنف، ابرام لا يعترض على ما تفعله ساراي. بل يُطيع صامتًا.

·   استلاب حقوق الآخر في الحوار، هو العنف الذي نمارسه يوميًا دون أن نُدرك. فعدم إعطاء الفرصة للآخر او عدم الإصغاء إليه يعني غيابه وغيابه يعني إحلال العنف.

رواء موسى بوسا

اللقاء السادس للرابطة الكتابية في قره قوش/ كنيسة مار يعقوب المقطع

الجمعة 30 تشرين الثاني 2007Text Box: ساراي
 
 
أبرام                هاجر

  


 

[1] مقالة للخوري بولس الفغالي من كتاب وجه الانسان وكلام الله، من سلسلة كلام الله (24)، مجموعة محاضرات ومقالات ألقيت في الأيام البيبلية الثانية.

[2] "هل لحب القريب حدود" محاضرة للأب لوسيان كوب. (الاختية الأخلاقية تتحقق عندما ينزع الآخر الذات من ثبوتها في ان تكون لنفسها لتكون لآخر محتاج).

[3] نفس المصدر (حسب المداريش اليهودية (قصص تفسيرية) يُقدم الحاخاميم سارة حزينة، متوحشة، باكية دموعاً مرّة. يقولون انها لا تستمر في هويتها كأخت بل تكشف لفرعون إنها زوجة ابرام، يخبرون عن عنفها ضد فرعون، تأمر ملاكاً بضربه إذا لمسها).

[4] فيلسوف انكليزي.

[5] يقول القانة لحنة زوجته: "يا حنة لماذا تبكين ولا تأكلين؟ لماذا يكتئب قلبك؟ أما أنا خيرٌ لك من عشرة بنين" (1صم 1: 8).