لأعزائنا الصغار

رسامات

عيون بخديدا

Museum متحف

أرشيف الاخبار

فنانونا السريان أعلام

أرشيف الموضوعات

سالم ايليا / كندا

لقاء مع أحد المشرفين على إقامةِ الخيمةِ العراقيةِ التراثيةِ في ولايةِ البرتا الكندية

أجرى اللقاء: سالم إيليا

تعتبر كندا واحدة من البلدان القليلة المتحضّرة في العالم والتي لها خصوصيتها الأثنيّة النادرة ، حيثُ تنوّع الأجناس والثقافات الإنسانية وما ينعكس عليه من تنوّع في العادات وطرق المعيشة لشرائح المجتمع الكندي برِمّتهِ ، إضافةً الى تواجد سكان كندا الأصليين . إذ تُعتبر كندا عالم مصغّر قائم بِذاتهِ وكثاني أكبر بلد في العالم من حيثِ المساحةِ يجتمع على أرضه إناس قدموا من أكثرِ من مئةِ بلدٍ كمهاجرين طلباً وسعياً وراء الحرية وأملاً في بناءِ حياةٍ ومستقبلٍ جديد لهم ولأبنائهم من بعدهم ، وقد شجّعهم على ذلك نظام كندا ودستورها الحضاري الذي يحمي الجميع بغضّ النظر عن إنتماءاتهم القومية والدينية . وعليهِ فقد دأبت الحكومة الكندية ومنظمات مجتمعها المدني منذُ زمنٍ بعيدٍ على تنظيمِ الفعالياتِ والنشاطاتِ المختلفة لتعريفِ أطيافِ المجتمع على بعضهم البعض .

ومن هذِ الفعاليات " مهرجان التراث السنوي " والذي يقام سنوياً في العديدِ من الأقاليمِ والمدنِ الكنديةِ ومنها مدينة أدمنتن عاصمة إقليم البرتا الذي يقع في الغرب الكندي . وتأتي مشاركة العراق بخيمة منفردة وللمرّة الأولى هذه السنة ضمن محاولات أبناء الجالية العراقية في تعريفِ المجتمع الكندي على تاريخِ العراقِ وتراثه ، حيثُ حصل العراق على جائزةِ أحسن عرض فني تاريخي لحضارته على الرغمِ من الصعوباتِ الفنّيةِ والتقنيةِ التي واجهت القائمين على هذهِ المبادرةِ وسأستعرض بعضاً منها من خلال لقائي التالي مع أحد المشرفين على إقامة الخيمة ، فأهلاً وسهلاً بالأخ عبدالحسين الصيمري .

-          شكراً جزيلاً على إتاحةِ هذهِ الفرصة لنا لتعريف القارئ العراقي الكريم أينما وجد وخاصة على أرضِ وطننا العراق على بعضِ النشاطاتِ التي نحاول نحن المغتربين العراقيين القيام بها لعكس الصورة الحقيقية للعراق وللإنسان العراقي وتعريف الجمهور الكندي بتاريخ العراق العريق .

-          إذن أخ عبدالحسين هذه هي المرّة الأولى لمشاركة العراق ، فهل تستطيع أن تبين لنا كيف تولّدت فكرة المشاركة ، ولماذا الآن بالذات ؟

-          أجاب : الحقيقة إنّ الفكرة تولّدت من الحاجة ولوجود فراغ في تمثيل العراق في هذا المهرجان ولكون المجتمع العراقي له خصوصيته من بين الدول العربية وذلك لتعدد الوان طيفه وتميّزهُ عنهم بفسيفساءه ، لذا إرتأينا تمثيله  بخيمة مستقلة تُمثل كل هذه الألوان وأملنا أن يكون هنالك في السنةِ القادمةِ وضوحاً أكثر في إشتراكِ كل الوان الطيف العراقي لأنّ الهدف من المشاركةِ هو تسليط الضوء وتعريف العالم بتكوينات مجتمعنا الذي بنى أولى الحضارات الإنسانية على وجه البسيطة .

-          شكراً جزيلاً وسؤالي الآخر هل واجهتكم صعوبات في إقناع المسؤولين على إقامةِ هذا المهرجان للإنفراد بخيمة عراقية ؟

-          قال : كانت هنالك بعض المعوّقات وذلك لوجود خيمة عربية مشتركة من المفترضِ إنها تمثل جميع البلدان العربية ، ولكن كما ذكرتُ إنفراد العراق بخاصّية تعدد الوان طيفه الجميل حظينا بالتفهم المطلوب من جانبِ المسؤولين على إقامةِ المهرجان للإنفراد بخيمة عراقية تمثل حضارته وتاريخه .

-          أنتقل الى سؤال آخر عن الفعالياتِ المقدمةِ هذه السنة تحت مظلّة الخيمة العراقية وتحديداً عن الفعالياتِ الفنّية من رقصاتٍ ودبكاتٍ فولولكلوريةٍ والتي يتميز بها الطيف العراقي ، وإن لم تكن موجودة فهل في النيّةِ إقامتها في السنوات القادمة إن شاءءالله ؟

-          عقـّب الأخ عبدالحسين موضّحاً : الحقيقة نتمنى أن نكون على إستعدادٍ أكثرٍ في السنواتِ القادمةِ ، حيثُ أن مثل هذه الفعاليات تحتاج الى وقتٍ وكادرٍ شبابي مستعد من كِلا الجنسين للتدريب عليها منذُ الشهر الأول ( كانون الثاني ) لكل سنة لتظهر بالمظهرِ الذي يليق بتاريخِ وتراث بلاد الرافدين ، إذ أنّ هنالك ثلاث فعاليات يجب أن تقدمها كل خيمة لتكون مؤهلة للمشاركة في هذا المهرجان ، وقد إرتأينا هذه السنة تقديم الفعاليات الثقافية والتراثية وكذلك الأكلات العراقية ، أمّا الفعاليات الفنيّة من موسيقى ورقصات ودبكات فولولكلورية فلم نكن مهيئين لها لضيق الوقت ولأسباب أخرى .

 

-          أجبتُ : نتمنى لكم كلّ الموفقية في هذا المجال في السنوات القادمة وسألته قائلاً : " أبو علي " كما يحلو لك أن أناديك سؤالي الآخر كونها المرّة الأولى التي تشاركون فيها بإسم العراق ، هل واجهتكم صعوبات تقنية وفنّية لتهيأة الكادر المشرف على إقامةِ الخيمةِ وتحضير مواد العرض التاريخي وما الى ذلك ، وهل فاتحتم الجهات الرسمية والإعلامية العراقية لمساعدتكم ، كالسفارة العراقية في كندا مثلاً وماذا كان ردّهم ؟

-           أجابني مشكوراً : الحقيقة كونها المرّة الأولى فقد لاقينا الكثير من المصاعبِ وحيثُ إننا قررنا إقامة هذه الخيمة والتي مثّلت حضور العراق في هذا المجال ، فقد حاولنا تذليل كافة المعوّقات ، أمّا الجهات الرسمية والإعلامية العراقية فللأسف الشديد لم تبدي أي مساعدة إطلاقاً ، حيثُ أنّ السفارة العراقية كانت على علمٍ مسبقٍ لإقامة هذه الخيمة منذُ فترة الإنتخابات !!! .

-          فقاطعتهُ مستفسرا : هل تمت مفاتحة السفارة بشكلٍ رسمي عن النيّةِ في إقامةِ هذهِ الخيمة ولم تبدي أي رد فعل للمساعدة ؟

-          أجابني " أبو علي " قائلاً : بشكلٍ رسمي كتقديم كتاب رسمي ، فالحقيقة لا يوجد ولكن كانت هنالك زيارة لأحد الأخوة من أبناء الجالية العراقية الى السفارة العراقية في أوتاوا قُبيل فترة الإنتخابات وقدّم طلباً تحريرياً لهذا الغرض وطلب مساعدة السفارة .

 -          وقاطعتهُ مرّة ثانية معقـّباً : إذن كان هنالك طلباً رسمياً مقدّم للسفارة العراقية في كندا ولكن لم يكن هنالك أيّ تجاوب ـ ـ ـ فهل هذا صحيح ؟

-          أجاب السيد عبدالحسين الصيمري : نعم ، كما ذكرتُ تقدّم أحد الأخوة من المشرفين على هذهِ الخيمة بطلب مكتوب الى السفارة العراقية لتقديم المساعدة الفنيّة وتجهيزنا ببعض المعروضات التراثية والتي من الصعبِ الحصولِ عليها بجهدٍ فردي ، ولكن لم يكن هنالك أيّ تجاوب ، كما قُمنا بالإتصال ببعضِ ممثلي القنوات التلفزيونية العراقية الفضائية والمتواجدين في الشمال الأمريكي ( الولايات المتحدة وكندا ) ولكنهم إعتذروا عن التغطيةِ الإعلاميةِ لبعدِ المسافةِ عن الغرب الكندي حيثُ يقع إقليم البرتا !!! ، كما وقُمنا بإرسال إيميل خاص الى القناة العراقية الفضائية الشبه رسميّة ولحد هذا اليوم ( ثاني أيام المهرجان ) لم نستلم أيّ رد منهم !!! .

-          سؤالي الأخير " أبو علي " : كيف كان الإقبال على الخيمة العراقية وكيف كان تجاوب الجمهور الكندي والإعلام الكندي لهذا الحدث ؟

 -           أجابني السيد عبدالحسين الصيمري قائلاً : الحقيقة إنّ الإقبال الشديد على الخيمةِ كان مفاجئة لنا وأكثر مما توقعنا على الرغمِ من أنّ الإستعدادات كما أسلفتُ لم تكن بالمستوى الذي نطمحُ اليهِ ولأسبابٍ عديدةٍ منها عدم معرفة معظم مكوّنات المغتربين العراقيين في المدينة على النيّةِ لإقامة هذه الخيمة ، كما إنّ ضيق الوقت حال دونَ إشتراك مكوّنات أخرى كانت على علمٍ مسبقٍ وأملنا كبير بمشاركة الجميع في السنة القادمة .

 وقد ختمتُ لقائي هذا مع الأخ عبدالحسين الصيمري بتقديمِ الشكرِ لإتاحتهِ الفرصة لي لإجراء هذا اللقاء ولتعريف العراقيين أينما وجدوا بهذا الحدث ، كما وشكرتُ ومن خلالهِ جميع الأخوة والأخوات المشاركين والمشرفين على الخيمة التراثية والذين أصرّوا على إقامتها رغم ضعف الإمكانيات وأملنا بأن يستجيب عدد أكبر من أبناء الجالية في السنةِ القادمةِ للمشاركةِ ضمن الخيمة العراقية في هذا المهرجان وذلك لعكس الصورة الحقيقية لمكوناتهم التي ينتمون اليها تحت خيمة العراق الموحّد ولتعريف الشعب الكندي بتراثهم وتاريخهم العريق . إذ إنني على ثقةٍ كبيرةٍ من إنها ستكون مظاهرة تراثية غنيّة ستبقى في أذهان الشعب الكندي لزمنٍ طويلٍ جداً 

من هو المؤرخ جورج البنّاء .. الغني عن التعريف؟!!/الجزء الأول

George al Bana home library.jpg

التقيتُ المؤرخ الجليل جورج البناء مرّتين خلال الخمسة أعوام الماضية ، كانت المرّة الأولى في عيد الميلاد االمجيد سنة 2005م وبطريق الصدفة والمرّة الثانية مقصودة في ثالث يوم عيد الفصح المجيد والذي صادف في السادس من نيسان الماضي 2010م ، إذ سافرتُ من كندا للقائه في دارهِ في المهجر في مدينة سان دييكو / كاليفورنيا ،حيثُ إستقرّ سندباد القرن العشرين ببساط الريح !!.

وقد كان أحد أسباب زيارتي لهُ إجراء مقابلة معه لم تُنشر بعد ، إذ إنني بصدد نشرها لاحقاً على المواقع الإلكترونية والوسائل الإعلامية الأخرى والتي إستغرقت معهُ بحدود الأربعة ساعات من الزمن مرّت وكأنها دقائق معدودة.

ومن خلال تنضيدي لهذه المقابلة ونقلها من جهاز التسجيل الى الورقِ وقفتُ على حقيقة كونها تحتاج الى كتابة مقال مُطوّل ذي أجزاء عدّة ولا أغالي إن قلت تحتاج الى الإنفراد بتأليف كتاب كامل لتغطية ما جاء فيها من حديثٍ شيقٍ ولتغطية الصور التي التقطتها عدسة كاميرتي للأوسمةِ والشهادات التي حصل عليها شيخ المؤرخين العراقيين إن صحّ التعبير(1).

ومن خلال متابعتي للمواقع الإلكترونية التي يكتب فيها كتّابنا والتعليقات الصادرة من بعض القرّاء الكرام من أبناء شعبنا شعرتُ بعدم معرفة البعض منهم بهذا المؤرخ الجليل خاصة عندما إستشهدّتُ ببعضٍ مما جاءَ في مقالاتي بالمصادر والكتب التي الّفها جورج البنّاء ، وعليهِ أرتأيتُ تجزأة نشري لهذه المقابلة بالتعريف بالمؤرخ جورج البنّاء وهو الغني عن التعريف بين مَن هم على علمه وثقافته وعلى وسائل الإعلام العراقية منذُ عشرات السنين وكما سنرى من خلال هذا العرض الموجز لسيرةِ حياته التي إستقيتُها من خلال مقابلتي لهُ ومن عرض لسيرة حياته في مؤلفاته :

فمَنْ هو المؤرخ جورج البنّاء ؟

هو جورج نعوم يوسف فرنسيس سليمان البنّاء ، ولد في مدينة الموصل/العراق في محلّة المياسة(مسكنتة) في السادس من كانون الثاني 1920م وأكمل دراسته الثانوية ثم دراسته في المعهد العالي للعلوم المالية والتجارية ـ كليَّة الحقوق .

عضو جمعية الكتّاب والمؤلفين العراقيين .

يتقن اللغات العربية والإنكليزية ويتحدث الفرنسية وله المام بالألمانية .

من هواياتهِ المطالعةِ وإقتناء الكتب التاريخية والمخطوطات النادرة والتي لا تنحصر فقط في تاريخ بلده العراق وانتمائه الكلداني فقط  وإنّما تتعداها لتشمل معظم بلدان العالم وتراث شعوبها وكان له مكتبة شخصية في دارهِ بمدينة بغداد تحوي على أكثر من أربعة عشر الف كتاب بمختلف العلوم والآداب والفنون وله مكتبة شخصية إخرى في محل إقامتهِ الحالي في سان دييكو إذ تحتوي على خمسة الآف كتاب .

يُعتبر المؤرخ جورج البناء ذو المواهب المتعددة من الفنانين الموهوبين في الرسم وله لوحات رائعة أهّـلتهُ للإشتراك في معارض عديدة داخل العراق وأعطتهُ هذه الموهبة سِمة الدخول في تدريس مادة الرسم في دار المعلمين بجانب الدروس العلمية الأخرى ، كما له موهبة النحت وخاصة على المرمر .

لقد أطلقت الصحافة العراقية على المؤرخِ جورج البناء القاب عديدة منها إبن بطوطة العراقي (2) والرحّالة الأول وكذلك شيخ الرحالين  لكثرة أسفارهِ ، حيثُ سافر الى أغلب أقطار العالم ويُعتَبرْ بحق من أشهر رحّالي العراق ، إذ زارَ خمسة وخمسين دولة وتجوّل في خمسمئة وأربعة وعشرين مدينة ودار حول الكرة الأرضية في رحلتين كانت الأولى شمال خط الإستواء سنة 1980م وزار فيها خمسٍ وأربعين مدينة وإستمرّت ستة أشهر ، وأما الرحلة الثانية فكانت جنوب خط الإستواء سنة 1982م وزارَ فيها خمسة وسبعين مدينة وإستمرّت أربعة أشهر . وقد كان حريصاً خلال رحلاتهِ والتي إمتدت لأكثر من خمسة واربعين عاماً على تدوين تفاصيل حياة تلك الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم بالإضافة لإقتناءه التحفيات والتذكارات والرموز لتلك الدول وشعوبها . وقد منحهُ حُبّه للترحال موهبة أخرى ، إذ أجادَ في فن التصوير حيثُ صوّرَ خلال رحلاته أكثر من ستة آلاف صورة غطـّت الأماكن الآثرية والحضارية والتماثيل والنُصُب والصُرُوح المهمة ، إضافة الى المناظر الطبيعية والفولكلور الشعبي في كافة المدن والأقطار التي زارها حول العالم والتي حفظها في سبعين البوماً .

إستضافة التلفزيون العراقي للمؤرخ والرحّالة جورج البنّاء مرّات عديدة وكان آخرها في الحلقة السابعة من برنامج " قطار العمر" في الرابع من آذار سنة 1994م ، وكجزءٍ من هذه المقابلة تمّ إستضافة الأب الدكتور يوسف حبّي فيلسوف كنيسة المشرق للحديث عن علاقته بالمؤرخ القدير جورج البنّاء وقُبيل المقابلة ذهبت كاميرات التلفزيون العراقي الى دارهِ لعمل تحقيقٍ تلفزيوني لعرضهِ على الشاشة الصغيرة ، فأستمر العمل منذُ الساعة التاسعة صباحاً وحتى التاسعة ليلاً من نفس اليوم !! حيثُ بقيّ الكادر التلفزيوني ضيفاً خفيفاً على مؤرخنا الكريم .

تم إختيار المؤرخ جورج البنّاء عضواً إستشارياً في اللجنة الإستشارية للتاريخ والتي تشكّلت بأمر من ديوان رئاسة الجمهورية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي والمتكوّنة من سبعة أعضاء من بينهم العالم الآثاري د. بهنام أبو الصوف ومقرها بناية القصر الأبيض في شارع النضال ببغداد ، لكن مؤرخنا الجليل لم يستمر في تلك اللجنة لأسباب خاصة به .  

الهوامش

(1)                       أطلقتُ لقب شيخ المؤرخين العراقيين على مؤرخنا الجليل جورج البنّاء ليس فقط لسعة معرفته التاريخية ولكن لإستمراره ولحد كتابة هذه السطور بالتأليف وقد بلغ التسعين عاماً أو ما يزيد قليلاً من العمر أطال الله في عمرهِ .

(2)                       إبن بطوطة : هو شمس الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد الطنجي والملقـّب بإبن بطوطة وهو رحّالة ومؤرخ وقاضي وفقيه ولد سنة 1304م في طنجة بالمغرب ، وقد قامَ بثلاث رحلات إستغرقت في مجموعها نحو ثلاثين عاماً .

إنتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني والأخير

 

الجزء الثاني الأخير

 

المقدمة

تطرقتُ في الجزء الأول من سيرة حياة المؤرخ النجيب جورج البنّاء الى التعريف بكنيتهِ وجزء من حياتهِ الأدبية والثقافية ، حيثُ أكمل في الجزءِ الثاني ما بدأتهُ في الجزءِ الأولِ .

كان يُعقد في دارهِ كل يوم جمعة من أيامِ الأسبوعِ في الثمانينيات من القرنِ الماضي وحتى مغادرته بلده العراق مجلساً أدبياً أسماه " مجلس الجمعة " وعلى غرار " مجلس الجمعة " الذي أوجدهُ طيب الذكر العلاّمة اللغوي والأدبي الأب أنستاس ماري الكرملي (1) وسار على خُطاهُ في عدم السماح في هذا المجلس بالتطرق الى السياسة أو الدين وقد إختلف مجلس المؤرخ جورج البنّاء عن مجلس الأب أنستاس ماري الكرملي بالنقاشات وتبادل الآراء التاريخية وليس اللغوية والأدبية وكان من بين حضوره علماء في التراث والتاريخ من كل أرجاء العراق فكان من بينهم من حضر من النجف الأشرف ومن كربلاء ومنطقة الكاظمية في بغداد وقد دأب الأب الدكتور يوسف حبّي الخالد الذكر على الحضور الى المجلس ، كما حضر بعض جلساته المفهرس الجليل كوركيس عوّاد رحمه الله ، إذ كان لمقولة مؤرخنا جورج البنّاء الشهيرة " بيتي : بيت كلّ العراقيين " صداها الطيّب في جمع هذا الشمل من جَهَابـِذة (2) العلم والمعرفة في العراق .

من مؤلفات جورج البنّاء " سلسلة الموسوعة الكلدانية " والتي إشتملت على ستّة كُتب بحثيّة ، إعتمد في تأليفها على 391 مصدراً عربياً و83 مصدراً إنكليزياً و64 مصدراً فرنسياً وهي وبالتسلسل : كتاب " تاريخ الكلدان " الذي نُشِرَ في سان دييكو/ كاليفورنيا في 2002م وكتاب " سلسلة بطاركة الكلدان " المنشور في سان دييكو/ كاليفورنيا في 2007م والكُتب الماثلة للطبع هي " إنتشار الكلدان في العالم " و " الرهبانيات الكلدانية " و " علماء الكلدان " و " الأديرة الكلدانية القائمة والمُندثرة في التاريخ " وقد أضاف اليها " الأطلس الكلداني " وهو أول أطلس مُفصّل يُبين بالخرائطِ والمسارات التاريخ الكلداني وإنتشار المسيحية في المشرقِ . كذلك لديه تحت الطبع رحلاته حول العالم وقد صنّفَ كُتبِها على النحو التالي : " عجائب العالم " ، " أشهر متاحف العالم " ، " أشهر كنائس العالم " ، " خلاصة رحلاتي العالمية " ، " الرحلة الأولى حول العالم سنة 1980م " وأخيراً " الرحلة الثانية حول العالم سنة 1982م " . والجدير بالذكر إنّ المؤرخ جورج البنّاء له صلة القرابة بالخالد الذكر الكاتب نعوم فتح الله السحّار مؤلف رواية " لطيف وخوشابا " وهي أول مسرحية تُطبع وتنشر في العراق سنة 1892م (3) ، حيث أن الكاتب نعوم فتح الله هو زوج خالتهِ . كما عُرِف عن المؤرخ جورج البنّاء بأنه كان من رجال الأعمال الناجحين .

كما للمؤرخ جورج البنّاء عدّة مخطوطات لم يدفعها الى الطبعِ بعد وهي عبارة عن سردٍ قصصي لِرحلاتهِ الى لبنان ، فلسطين ، سوريا ، مصر ، الكويت ، الإمارات العربية المتحدة ، اليونان ، إيطاليا ، النمسا ، المانيا ، هولندا ، بلجيكا ، لوكسمبرج ، فرنسا . كذلك إنكلترا ، الدانمارك ، السويد ، النرويج ثمّ بولونيا ، جيكوسلوفاكيا ( قبل تقسيمها ) ، الإتحاد السوفيتي السابق ، الولايات المتحدة الأمريكية . ورحلاته الى كندا ، المكسيك ، نيوزلندة ، إستراليا ، تركيا ، إيران ، الهند ، الباكستان ، اليابان ، هونك كونك ، الصين الوطنية والصين الشعبية ، ثمّ الفلبين ، ماليزيا ، سنغافورة ، سيرلانكا ، تايلند ، جزر المحيط الهادي ، هاواي ، تاهيتي ، جزر كوك ، برتاروكا ، فيجي . وختمها برحلاته الى البرازيل والأرجنتين والأورغواي وبروغواي وشيلي وبيرو وأخيراً الأكوادور .

وبعد أن رست سفينة رحلاتهِ على شواطئ الولايات المتحدة الأمريكية / كاليفورنيا وبالتحديد مدينة سان دييكو في رحلتها الأخيرة ليستقر هنالك ، مُنِحَ عدّة شهادات تقديرية من عُمدة المدينة وأعتُبِرَ رجل العام 2006م في حقل الإمتياز المهني لتأليفه " الموسوعة الكلدانية " ، كما قلّدهُ المطران الجليل مار سرهد يوسب جمّو السامي الإحترام الوسام الذهبي لإعماله الجليلة في خدمة الطائفة وبلده العراق .

أطال الله في عمر شيخ المؤرخين العراقيين ورحّالتها الأول جورج البنّاء ليكمل ما بدأه من أعمالٍ أدبيةٍ لتبقى مرجعاً مهماً محايداً لذوي الإختصاص والمعرفة ولتخلّد هذه الأعمال أسم جورج البنّاء على مر الأجيال .

 

 

الهوامش

(1) الأب أنستاس ماري الكرملي : هو بطرس يوسف عوّاد المولود في الخامس من آب 1866م في بغداد من أب لبناني الأصل وأم عراقية والمتوفي في اليوم السابع من كانون الثاني لسنة 1947م ، وكان من الشخصيّات الأدبية والفكرية واللغوية المعروفة في العراق وكانت له مجلّته الشهرية " لغة العرب " و " جريدة العرب " اليومية ، وكان له أيضاً مجلس يُعقد في كل يوم جُمعة من كل أسبوع في دير الكرمليين وأطلق عليه إسم " مجلس الجُمعة " ، وقد كان من بين حضور هذا المجلس العلاّمة مصطفى جَواد صاحب مقولة " قـُل ولا تقل " التي يُقال إنهُ إستوحاها من الأب أنستاس ، كذلك كان من بين الحضور الأدباء روفائيل بطّي والملا عبود الكرخي والبطريرك يوسف غنيمة رحمهم الله . وقد رثاهُ أحد تلامذته وهو أحمد حامد الصرّاف بالبيتين التاليين :

وعشنا وعاشت في الدهورِ بلادنا ـ ـ ـ ـ جوامعنا في جنبهنّ الكنائسُ

وسوف يعيش الشعب في وحدة له ـ ـ ـ ـ عمائمنا في جنبهنّ القلانسُ

(2) جَهَابـِذة ومفردها : الجـِهْبذِ أي الناقِد والعارف بتمييز الجيّد من الردئ وهي كلمة فارسية الأصل .

(3) كُنتُ قد نشرتُ مقالاً بعنوان " رواية لطيف وخوشابا ـ ـ أول نص مسرحي نُشر في العراق " و( الرواية ) كانت من تأليف نعوم فتح الله السحّار رحمه الله وتُعتبر أوّل نص مسرحي يُطبع ويُنشر  في العراق ، وقد سَبـِقاه في التأليف المسرحي القس حنّا حبش والخوري هرمز نرسو الكلداني الماردينلي رحمهما الله .

 

إنتهى الجزء الثاني والأخير

 

..................................................................................

 

المسيح قامَ .. حقاٌ قامَ

 

إنّ ما يحدث الآن لمسيحيي العراق مِن إضطهادٍ وقتلٍ وتهجيرٍ على أيدي المتعصبينَ والسلفيينَ المُغرَّرَ بهم من قبلِ بعضِ الأطرافِ التي لم تعد خافية على أحدٍ ولإغراضٍ سياسيةٍ بحتةٍ لَبست عباءة الدين وسُوِّقت في أرجاءِ العراقِ ، فوجدت لها سوقاً رائجة في بعضِ مُدُنهِ ومناطقهِ المعروفة بِخطِّها الديني السلفي قد أفرزت الكثير من المواقفِ التي غيّرت الإعتقاد الذي كان مسيطراً على تفكيرِ البعضِ (الكثيرِ) مِنْ أنَّ المسيحيون الشرقيين شعب يتّسم بالجُبنِ واللاوطنية وعدم حُبهِم لوطنهم وأرضهم ويتطلعون دائماً للهجرةِ الى الغرب على إعتبار أنّ مرجعيتهم تعود الى الغرب !!! ، وحيثُ تناسى أصحاب هذا الإعتقاد الخاطئ والذي لا أساس لهُ من الصحة من أن مسيحيي العراق ومعظم المسيحيين الشرقيين هم أهل البلاد وأصلائها ، وعلى الرغمِ من هجرة الكثير منهم كردِ فعلٍ إنساني على الجرائم التي تحدث لهم والتي فاقت كلّ التصورات، ومثلهم كمثلِ بقية أبناء الشعب العراقي من الأديان والطوائف الأخرى الذين هاجروا بعد تعرُّض مناطقهم لبعضٍ مما يتعرَّض لهُ المسيحيّون بشكلٍ مركَّزٍ ومنظَّمٍ ، إلاّ أنّ المتتبعَ لهذهِ الهجمة البربرية يستطيع بسهولةٍ قراءة الصفحة المُشرقة من هذا الحدث .

فلقد أثبت المسيحيون وعن جدارةٍ بأنهم شعب مسالم ومحبٌّ لوطنه، مؤمنون بدينهم حدّ الإستشهاد فحملوا صلبانهم على ظهورهم وتبعوا سيدهم ولسان حالهم يقول " يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون " * ، كما أثبتوا وعن جدارةٍ أيضاً بأنهم أتباع سيدهم يسوع المسيح الذي جاءَ لخلاص البشر مبشراً بالسلام والمحبة بينهم ، وكما هم مؤمنون بولادة المخلّص فإنهم مؤمنون بموتهِ وقيامتهِ .

فعندما يُعَذّب رجل دين حتى الموت وقد تجاوز عمره السبعينات ولم يُغيّر من معتقدهِ بل بقيّ صامداً حتى لفظَ أنفاسه الأخيرة ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما تُقطع أوصال رجل دين آخر ويُقتل ثالث لهما أمام أنظار زوجته وأطفاله ولم يتراجعا عمّا آمنا به ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما يمتنع أهل الضحايا من المسيحيين عن التصريحات المُعادية ضدّ من قتلوا أبناءهم ، كما ويمتنعوا عن حضور لحظة تنفيذ حُكم الإعدام تشفياً بالشخص المُدان (الوحيد) !!! في هذهِ الجرائم ويُطالبون السلطات بالشفافية في التحقيق ويُصلّون الى الرب في كنائسهم من أجل هداية المجرمين الى السلام والمحبة ونبذ العُنف ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما تُنحر فتاة في ربيع عمرها من الوريد الى الوريد لأنها رفضت طلب المسلحين بنزع الصليب من رقبتها والإقتران بأحدهم ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما تدافع أم بإيمانها بالله ومحبتها لطفلتها وبيدين مجردتين من أيّ سلاح لمنع إختطاف طفلتها التي لم تتجاوز الخمس سنوات وتهزم المسلحين المدججين بالسلاح ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما يُقاوم رجل مُسن مع زوجته المُسنّة أربعة مهاجمين يحملون الأسلحة الرشاشة إقتحموا بيتهما لإجبارهما على تغيير دينهما ومعتقداتهما ثمّ يستطيعان الهرب والدماء تسيل منهما بعد أن نالوا ما نالوه من ضربٍ مبرحٍ بأخمس البنادق تاركين وراءهما بيتهما الذي خرجا به من الدنيا بكلِ ما فيهِ عرضةً للنهبِ والسرقة ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما يستشهد بائع خِضار لم يجد أئمن من باب داره ليجعله دُكاناً لبيع خِضاره بعد أن ضاقت به اليد ، فيأتي من لا رحمة لهم ويسألوه : هل أنت مسيحي فلم يتردد بالإجابة نعم وهو العارف بأنّ لحظة ملاقاة سيده المسيح قد أزفت ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما يقف الشرفاء من بني البشر داخل العراق وخارجه بغضِ النظر عن إنتماءاتهم ومعتقداتهم الدينية ضد هذه الهجمة الشرسة ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما صوّت أبناء شعبنا في الإنتخابات العراقية وبظروفٍ صعبةٍ مِن قتلٍ وتنكيلٍ وإختطافٍ وتحدّوا كلّ الدسائس لمنعهم مِن الإنتخاب وفازوا بخمسةِ مقاعد في البرلمان ، فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

وعندما تجسَّدت مقاومة الشعب العراقي المسيحي الأعزل والمسالم والمُحب لبلده على شكلِ صلوات ودعاء الى الرب في كنائسهم لطلب المغفرة للذين تسبَّبوا بتشريدهم وفقدانهم أحبائهم وممتلكاتهم وتهجيرهم مِن أرضهم  فإنّ المسيح قام ـ ـ حقاً قام .

 فسلامٌ عليك يا سيدي المسيح إبن مريم يومَ ولِدّتَ ويومَ مُتّ ويومَ بُعِثتَ حيّاً .

 الهوامش :* إنجيل لوقا 34:23

 

 

 

لقاء مع سيادة المطران الجليل إيليا باهي مطران السريان الأرثوذكس لعموم كندا

 

أجرى اللقاء سالم إيليا - أدمنتن

 

إتصل بي أحد الأصدقاء ودعاني وعائلتي لحضور القداس الآلهي الذي رعاه

سيادة المطران إيليا باهي مطران السريان الأرثوذكس لعموم كندا في مدينة أدمنتن في إقليم البرتا .

 

وبما إنني أؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية وبمعموذية واحدة ، فقد رحبّتُ بدعوة صديقي

 ووجدتها فرصة مناسبة لعمل لقاء مع سيادة المطران ايليا باهي خاصة وإنها زيارته الأولى للإقليم

 بعد تسنّمه منصبه ، حيثُ طلبتُ من صديقي الإتصال بسيادة المطران لأخذ موافقته على ذلك ،

 فجائني الرد بترحيب سيادته بهذا اللقاء . وقبل زيارته بيوم واحد بدأت بوضع الأسئلة وقد إنتابني

 شعور معين خلال التحضير للأسئلة التي ربما ستكون معظمها مباشرة وصريحة وذو مساس مباشر

 بالوضع العام لمسيحيي الشرق ومسيحيي العراق على وجه الخصوص ، وتداخل أو تقاطع هذه

الأسئلة مع الوضع السياسي القائم ، ولعلمي بأن رجال ديننا الأفاضل يحاولون الإبتعاد عن التصريحات

 التي قد تُفسر على إنها سياسية ، لذا أرتأيتُ أن أحمل ما في جُعبتي من أسئلة لأطلع سيادة المطران

 الجليل على نوعيتها بعد الإنتهاء من القداس ، إذ خيرّتُ سيادته في الإجابة على جميعها أو تجاوز

 بعضاً منها .

 

 

والحقيقة أقولها أمام الجميع من إنه أعطاني الضوء الأخضر بسعة صدرهِ ربما لإضافة أسئلة

 لم تكن موجودة أساساً على الورق !! ومع هذا فقد كنتُ حريصاً جداً على الإبتعاد عن الأسئلة ذو الطابع السياسي البحت إحتراماً لرأي رجال ديننا وكذلك تماشياً مع ما أؤمن به بوجوب فصل السياسة عن الدين .

وبما ان القداس ومراسيم العماذ لأحد الاطفال ودعوة العشاء المقامة على شرف سيادته بعد القداس قد أخذت الوقت الطويل في ذلك اليوم ، لذا أؤجل اللقاء الى اليوم التالي ، حيثُ وجهت الدعوة لسيادة المطران ومرافقيه ولي من قبل السيد أديب جورج الدباغ لتناول الفطور في بيته الكريم ، فوجدتها فرصة مناسبة للتعرف على سيادة المطران ايليا باهي بعيداً عن البروتوكولات الكنسية وطقوسها مما قد يُساعدني بالإنفتاح وأخذ حريتي بشكل أكبر لطرح الأسئلة .

وخلال جلوسنا حول مائدة الفطور كنتُ أصغي الى الحديث الذي كان يدور بين الجميع

 ومع ان قسم من جُلسائـِنا كانوا ذو توجه علماني وبأيديولوجية معينة ربما تتقاطع مع الايديولوجية

 الدينية الروحية ، إلا إنني وجدتُ في سيادة المطران الجليل تفهمه وتفاعله مع بعض الأسئلة التي

 طرحها البعض وإعطاء رأيه الصريح والمعتمد على رؤية السيد المسيح ورؤية الكنيسة

 وعدم إنزعاجه من طرح هذه الأسئلة بل على العكس فقد كانت له سعة الصدر وروحية الملاطفة

 والدعابة ورأيتُ فيه بساطة الراعي بين رعيتهِ ، وبعد الإنتهاء من تناول الفطور إنفردتُ مع سيادته

 في ركن من أركان الدار وبدأت لقائي معه بالترحيب أولاً به في ولاية البرتا وتمنيتُ له طيب

 الإقامة وزيارة رعوية مباركة مع أبناء الجالية ثم بداتُ بطرح أسئلتي .

 

 

 

ـ سيادة المطران زيارتك الرعوية الأولى لغرب كندا هل هي ضمن برنامج عمل ثابت ودوري

 وبتوقيتات محددة أم تعتمد على الفرص المتاحة ؟

 

أجاب سيادته :أكيد من أولى مهام الراعي أن يتفقد الرعية ، فالرعية أينما وجدت يُفترض

 على الراعي ان يذهب ويبحث عنها وهذا هو الشئ الذي تعلمناه من الرب يسوع ، ان يبحث دائماً عن الخروف الضال ـ ـ طبعاً نحن لا نقول بأن المؤمنين ضالين وإنما نأخذ الجزء الأول من الكلام

من ان مهام الراعي البحث عن العدد القليل من الرعية المبتعدين عنهُ جغرافياً ، فمن مهامه

 ان يقوم بالبحث عنهم لتفقد أحوالهم والقيام بالواجبات الدينية تجاههم وهذا ما حصل في زيارتنا

 الرعوية لغرب كندا ، حيثُ أصبح للكنيسة واجبات تتعدى الواجبات الروحية بسبب الظروف

المحيطة بنا كشعب مسيحي شرقي . فعندما نسمع بان هنالك مجموعة من المؤمنين في مكانٍ ما

وأصبح بإمكانهم ان يُشكلوا نواة لكنيسة أو رعية صغيرة فاننا نحاول ان نتواجد لديمومة هذه

 النواة ونموّها لتزهر وتعطي ثمارها ونحاول ان ننظمها روحياً لنحصنّها ضد التيارات العلمانية

 الصرفة القوية في هذه المناطق .

 

- هل توجد خطوات أو إجراءات إتخذتها الكنيسة في المهجر لإستقبال القادمين الجُدد والمُهجّرين

 قسرياً من بلدان الشرق لمساعدتهم في التأقلم وترتيب أوضاعهم في المجتمع الجديد وكذلك

 مساعدتهم على الإستمرار بالتواصل مع كنائسهم ؟

 

فكانت الإجابة : كندا لم تفتح الباب للقادمين الجُدد مثلما فتحته دول أوربا ، حتى الذين

إستطاعوا الوصول الى كندا هم ليسوا من السريان الأرثوذكس بشكل كبير ، ربما كانوا

 من الطوائف الشقيقة الأخرى وطبعاً كل طائفة تهتم بالوافدين الجُدد الذين ينتمون اليها ،

 فعند سماعنا بمجئ اي عائلة تنتمي الى طائفتنا نقوم بزيارتها ونحاول تقديم اي مساعدة إجتماعية

 ممكنة لها حيثُ يشارك أبناء الطائفة من المهاجرين القدامى بتقديم المساعدة والمعلومات المفيدة

 للقادمين الجُدد .

 

- إذاً سؤالي التالي والذي يفرض نفسه ، هل ان المساعدة تقدم فقط لأبناء الطائفة من السريان

 الأرثوذكس أم تشمل القادمين من الطوائف المسيحية الأخرى ؟

 

حيث قال : مَنْ يقصدنا للمساعدة لا نصدّهُ ولكن في هذه البلدان ليس كما في الشرق ،

إذ لا يستطيع أحد أن يلتقي بشخص صدفة وفي هذه البلدان كل شئ بمواعيد كأن يتم مثلاً

بإتصال هاتفي ، حيثُ إنه قلّما يلتقي شخص بآخر من باب الصدف إذ لا تلتقي إلا من يقصدك

ولذا فقد نجد من بحث عن الكنيسة السريانية ليصلي فيها واحياناً يكون الباحث من السريان

أو من غيرهم ، فبالنسبة لنا كل من يأتي جديداً ويطلب المساعدة نحاول بقدر الإمكان وبشتى

 الوسائل المتاحة مساعدته .

 

- هل سيصار الى التنسيق بين الكنائس المسيحية الشرقية * المتواجدة في كندا لمساعدة القادمين الجدد ،

خاصة وإن أعداد القادمين بتزايد مستمر نتيجة الظروف الصعبة التي يواجهونها في بلدانهم ؟

 

أجاب سيادته : مثلما قلت لحد الآن لم أجد اعداد كبيرة تقصد كندا وحتى الذين قدموا طلبات

 اللجوء أو الهجرة الى كندا لم تستجب طلباتهم لحد الآن من قِبل الحكومة الكندية ونجد بان

 المهاجرين الجُدد يُقبلون في أمريكا وأوربا أكثر من كندا لستُ أعلم لِما التأخير من قِبل الحكومة

 الكندية وهذا ما شعرتُ بهِ خاصة وانني قادم جديد الى هذا البلد ولم يتسنى لي التعرف على كافة

 الأطراف من الكنائس الشرقية الأخرى ومن خلال لقاءاتنا كرؤساء للطوائف المسيحية الشرقية

 هنا نتبادل المعلومات عن كل ما هو جديد في هذا الشأن ولكن لحد الآن لم نرى الأعداد الكبيرة

 التي تتحدث عنها .

وهنا تداخلتُ بالجواب مع سيادة المطران وحدثتهُ عن ان الجالية في كندا ربما لم تكن فعّالة

 ومؤثرة بشكل كبير لدفع الحكومة الكندية لتشريع قانون خاص لتشجيع هجرة المضطهدين من المسيحيين الشرقيين اليها ومن خلال متابعتي وعملي في الإعلام لاحظتُ بان إخواننا المسيحيين الشرقيين في أوربا وأمريكا وأستراليا أكثر تأثير وقوة وعمل من جاليتنا الموجودة في كندا ،

 أي ان المشكلة لا تكمن في الحكومة الكندية وانما المشكلة ربما تكمن فينا ولي تجربتي الخاصة

في هذا المجال .

 

- ما هو تعليقكم على عمليات التهجير والإبادة والتهميش التي يمر بها مسيحيو الشرق بصورة

عامة ومسيحيو العراق بصورة خاصة وحصرا في مدينة الموصل والعداء غير المبرر من

 قبل المتطرفين للسكان الأصليين للشرق ؟

 

أجاب سيادته : طبعاً أي تطرّف في أي مذهب وفي أي دين أو فلسفة فكريّة يؤدي الى التعصب ،

 والتعصب هو شئ بغيض لا يأتي بنتائج حميدة في أي مجال من المجالات وعلى كل الأصعدة ،

 ففيما يخص الشعوب والملل الموجودة في الشرق كُنّا دوماً نعيش بسلام جنباً الى جنب مع

الآخرين دون أن يعتدي أحد على خصوصية الآخر ولكل منّا دينه وعبادته وطقسه واحترام

متبادل وأعتقد بان معظم الأديان تنادي بهذا الشئ ولكن الجهل بتفاصيل الدين يؤدي بالإنسان

الى شئ من الفهم الخاطئ والى التطرف وخاصة عندما تكون معرفته ناقصة ، ونحن نقول بان

 نصف المعرفة هي أخطر من الجهل فتؤدي الى ما لا تحمد عقباه، وفي هذا السياق نحن

 لا نستطيع ان ننكر بان هنالك جهات خارجية تسعى الى الإصطياد في الماء العكر

واستغلال نصف هذه المعرفة الموجودة عند بعض العقول التي تظن بانها تقدم خدمة الى الله

عندما تتطرّف بهذا الشكل. لقد كنّا دائماً نعيش بأمان مع بعضنا البعض ولمئات السنين ولكن

 هذا التدخل الخارجي أوجد هذا الصراع غير المبرر وجوده في المنطقة.

نحن كمسيحيين نحترم كافة الأديان ومسيحيتنا هي مسيحية مَثـَل السامري الصالح المعروف

عند المسيحيين وغيرهم، ذلك الذي شاهد جريحاً على الطريق ولكنه لم ينظر الى دينه أو لونه أو جنسه

 ولكنه نظر اليه كإنسان من خليقة الله ويحتاج الى المساعدة فقدمها لهُ ، هذه هي المسيحية بجوهرها.

وكما يقول جيراننا لا إكراه في الدين فلا يجوز أن يُجبر أحد على إقتبال دين معين دون غيره ، أساساً ربّنا

لا يقبل أي شخص يعلن إيمانه به مجبراً أو مكرهاً، وعليه فمن يريد الإيمان بالله فليكن ذلك عن

 رضى وقناعته ، لذا فليقبلني الطرف الآخر كما أنا ولأقبلهُ أنا كما هو ولنحترم بعضنا البعض .

 

- كثرت في الأونة الأخيرة مؤتمرات الحوار بين الأديان وخاصة بين الدين المسيحي والدين الإسلامي،

 هل تعتقد سيادتكم بأن هذه المؤتمرات التي تُعقد ويحضرها رجال دين وعلمانيين من مختلف الأديان تساعد على تقريب وجهات النظر وكبح جماح ظاهرة التطرف الديني ؟

 

فأجاب سيادة المطران : هذه المجموعات المُتطرفة إن كانت تقيم وزناً لقياداتها الروحية فهذا

أمر حسن ومنه ننطلق ، فإن كانت هذه الحوارات تضم الرئاسات الروحية للأديان فهذا الأمر جيد جداً لانه

 يخلق نقاط تواصل وتقارب ما بين الأفكار المذهبية وعندما نصل الى هذه النقاط وهي موجودة

 وكثيرة فمن خلالها

يعم فكر السلام والأمن، وعندما يعم هذا الفكر لابد لهذه المجموعات المُتطرفة ان تصغي الى قياداتها الروحية. ولكن ماذا لو كانت هذه المجموعات المتطرفة لا تقيم وزناً لقياداتها الروحية فهنا تكمن المشكلة

ولا يكون هنالك فائدة من هذه الحوارات ، لا بل على العكس ربما قد يأخذ المتطرفون الموقف السلبي

 من هذه الحوارات  فيتعصبون أكثر لان القيادات الروحية تلتقي في نظرهم أناساً لايجوز ان يجلسوا معهم .

وهنا تداخلتُ في الكلام وأضفتُ بانه ربما هذه المجموعات المتطرفة تكون مُسيسة ولديها أهداف غير الأهداف ( الدينية ) المُعلنة . إذ ايّد سيادة المطران ما ذهبتُ اليه من انه ربما تكون هذه المجموعات ذات أهداف سياسية .

 

- كمسيحيين شرقيين هل سيادتكم مع أو ضد توحيد تسميتنا ، طبعاً هنالك فرق بين التسمية الدينية والاتحاد الكنسي للمذاهب المسيحية في الشرق وبين التسمية القومية خاصة وان هنالك محاولات من البعض لتسييس التسمية القومية أو الإنتماء القومي ان صح التعبير ؟

 

كان الجواب : الشرق كما هو معروف عنه بانه مستودع كبير لمجموعة غنية بالحضارات والتراث، فلا نستطيع ان ندعو الى إسم واحد من قِبل طرف واحد، ولو حدث ذلك فيجب ان يحدث بإتفاق جميع الأطراف ، حيث ان كل طرف يعتز بتاريخهِ وبحضارتهِ وبتراثهِ وبخصوصيتهِ وبثقافتهِ. وعلى الرغم من ان هنالك شيئاً مشتركاً بين الجميع إلا أن هنالك غنى في تنوع الحضارات والشعوب. ثمّ ما الفائدة من إطلاق تسمية واحدة على الجميع ـ ـ هل ستحل مشكلة معينة؟ فان كانت كذلك فيجب ان يكون توحيد التسمية مُتفق عليه من الجميع بعد الجلوس والتباحث بالمنطق والعقلانية والإقناع على ان التسمية الموحدة ستحل مشاكلنا،

 فان إقتنعت كافة الأطراف فلا بأس بذلك .

 

- هل تعني سيادتكم بخصوصية كل طرف هي خصوصية الطقوس اللاهوتية أم هنالك خصوصيات أخرى ؟

 

حيث قال : الكنيسة الشرقية هي ليست كنيسة مبشّرة بالدين المسيحي فقط وإنما هي كنيسة ذات رسالة بشقين ، فالشق الأول إنها تُبشّر بالرب يسوع وتحمل هذا الإيمان لأبناءها وأما الشق الثاني فهي حاملة للتراث ومن واجبها المحافظة عليه وتوريثه للأجيال القادمة . إذاً الكنيسة ذات رسالة بشقـّين الشق الإيماني والشق التراثي .

 - من المعروف بان هنالك أعداد كبيرة من مسيحيي العراق عالقين في دول الجوار ينتظرون

حل لمشكلتهم الإنسانية وبالرغم من عدم تشجيع الكنيسة للهجرة وإفراغ الشرق من مسيحييه

 إلا ان الحالات الإنسانية الإستثنائية تفرض على الكنيسة التدخل لإنقاذهم وهي القادرة على ذلك ،

 فما هو تعليقكم ؟

 

كان تعليق سيادته : الكنيسة في البلدان المجاورة للعراق تُشارك من خلال المساعدات المادية وإيجاد فرص العمل إن أمكن ومن خلال المساعدة في إيجاد السكن وهنالك منظمات أوربية خيرية عديدة تقصد الكنائس

 وتقدم لها المعونات لتوزيعها بشكل خاص على المهاجرين العراقيين ، وهذا ما نقوم به إذ نحاول دائماً المساعدة ـ ـ ـ جاءت فترة عندما هدأت الأوضاع عاد خلالها قسم من العوائل المسيحية العراقية

 الى العراق ولكن القسم الأكبر بقيّ في سوريا وانا هنا أتحدث عن سوريا ، فمنهم من إستقر في سوريا

 وبدأ بحياة جديدة فيها ومنهم من إستطاع الهجرة ومنهم من ينتظر اكتمال معاملة الهجرة

ومنهم من ينتظر مساعدة المنظمات الإنسانية .

 

- سيادة المطران لديّ سؤال حول الإختلاف في بعض الصيغ اللاهوتية بين المذاهب المسيحية ،

هل هو إختلاف في التعابير أم في صُلب الإيمان أو قانون الإيمان المسيحي ؟

 

أجاب سيادته : القداس الآلهي ذو هيكلية واحدة لجميع الكنائس والطوائف ولكن لكل كنيسة تراثها وليتورجيتها. أما الإختلاف الذي حدث بين الكنائس فهو قديم وقد نوقش كثيراً في الأيام الأولى وأدى الى الإنشقاقات والى البُعد ونحن نعلم بأن البُعد يخلق الجفاء والتصلب في الرأي، وهكذا كانت الأحوال بين الكنائس الى أن وصلنا الى القرن العشرين فبدأت الحوارات غير الرسمية بين الكنائس  فتطرقنا الى جميع الخلافات العقائدية واللاهوتية فتوصلت جميع الكنائس الى نتيجة واحدة من إنها جميعها وخاصة الكنائس الرسولية التي تسلمت الإيمان من الرب يسوع عن طريق الرُسل مباشرة تؤمن بنفس الإيمان ولكن تعبيرها الإنساني والبشري

 يختلف ، حيثُ ان التعبير الإنساني عن الفكرة اللاهوتية يختلف ربما من شخص لآخر ومن كنيسة لآخرى ولكن عندما يشرح كل منّا جوهر هذا التعبير وحسب ما نفهمه نجد أنفسنا بأننا متطابقين في جوهر الإيمان ولكننا نعبّر عنه بعبارات مختلفة، وهذا قادنا بالنتيجة إلى انه ليس هنالك أي خلاف بيننا وإننا جميعاً نؤمن بان يسوع المسيح هو الإله المُتجسد أو الإله المُتأنس، فهو إله تام وإنسان تام وهو الذي قدم لنا الخلاص بإهراق دمه الثمين على الصليب وبموته وقيامته. فهذا هو الإيمان الموحد الذي يؤمن به الجميع وقد فهمنا الآن بان التعابير البشرية المختلفة لا تُفرقنا إن كنا نشرحها بهذا الشكل، وهذا ما وصل اليه ابن العبري العلاّمة السرياني الكبير الذي ولد في سنة 1226 م وتوفيّ سنة 1286 م ، إذ توجّه بالقول إلى رهبان ونساك كل الكنائس المسيحية بما معناه أنه بعد الدراسة المستفيضة لكل المُجادلات والمقاييس المنطقية المُتعلقة باللاهوت وجد انه لا خلاف جوهرياً بين الكنائس لذا فهو يحثّهم على تجاوز الخلافات اللاهوتية وما عليهم إلا تلاوة قانون الإيمان النقاوي والتعبّد الى الله بنسك وزهد وترك هذه الخلافات اللاهوتية جانباً. ونحن اليوم وبعد سبعمائة عام نصل الى نفس النتيجة التى وصل اليها ابن العبري .

 

- هل هذه النتيجة اللاخلافية ساعدت على تحقيق الاتفاق بين الكنائس الشرقية الكاثوليكية من جهة والأرثوذكسية والآشورية من جهة أخرى للإشتراك في الأفخارستيا والتي سُمح بموجبه لأعضاء هذه الكنائس بتقبل القربان المقدس من بعضها البعض في حالة عدم وجود كنيسة للعضو في محل إقامته

 وهل يمكن إعتبارها البذرة الأولى للاتحاد الكنسي ؟

 

حيث قال سيادته : موضوع التناول فيما بين الكنائس الرسولية هو قمة الشِركة الحقيقية وحيث ان هذه الشِركة لم تتم بعد، فقد سُمح للمؤمنين فقط دون الاكليروس بالتناول في كنائس الطوائف الشقيقة التي تم توقيع اتفاق معها . هذا الاتفاق لم يكن موجوداً في السابق وقد بدأه قداسة البطريرك يعقوب الثالث في الستينيات من القرن الماضي وكان ثورة مسكونية وسار على خطاه قداسة البطريرك زكّا الأول عيواص سنة 1984 م إذ وقـّع بياناً مشتركاً مع قداسة البابا يوحنا بولس الثاني سُمحَ بموجبهِ لأبناء الكنيستين الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية بتناول الأسرار المقدسة من بعضهما البعض في المكان الذي لا تتواجد فيه الكنائس الخاصة بطائفة إحدهما مع إحتفاظهما بالإنتماء المذهبي لكل منهما ، وقد وقع قداسة البطريرك زكّا الأول

 عيواص بياناً مشتركاً مماثلاً مع غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم بطريرك الروم الأرثوذكس،

 فكانا هذان البيانان مصدر بشارة وفرحة للمؤمنين.

 

- سؤالي الأخير سيادة المطران ما هو رأيك في فصل السياسة عن الدين في إدارة الدولة أو بمعنى آخر

 قيام نظام سياسي علماني يأخذ بمبدأ الدين لله والوطن للجميع لتحقيق العدالة الإجتماعية بين مختلف

مكوّنات الشعب الواحد ؟

 

فكان جوابه : من الطبيعي أن يكون هنالك فصل بين الدين والدولة ولكن في مفهومي عندما يُفصل الدين عن الدولة يجب ألا تقوم الدولة من خلال قراراتها بفرض إرادتها على رجال الدين والقيادات الدينية والتدخل في الشؤون الادارية الكنسية والأمور الروحية واللاهوتية ، فرجال الدين هم الأعلم في

وضع المسارات الصحيحة لديمومة التواصل الروحي مع المؤمنين ، كذلك على رجال الدين ترك الدولة ورجالاتها لوضع الخطط والمسارات لقيادة الدولة ، فاليوم نعيش في عالم الإختصاصات إذ لم يعُد بالإمكان على جهة واحدة تحمل مسؤولية قيادة الدولة والدين كما حدث في غابر الأزمان . حتى في مجال المهنة الواحدة أو

 الجهة الواحدة حيثُ قـُسّمت الإختصاصات لإعطاء مساحة أوسع لإبراز الحرفية وإبداعاتها .

 إذن نحن مع فصل الدولة عن الدين ولكن أيضاً مع عدم تدخل الدولة كجهة تنفيذية في الشؤون الادارية والدينية والطقسية وإلى ما هنالك .

 

في نهاية لقاءنا هذا لا يسعني إلا ان أشكركم سيادة المطران على رحابة صدركم ونتمنى لكم طيب الإقامة

 بين الرعية في هذا الإقليم .

 

* قصدتُ هنا بالكنائس الشرقية اي المتواجدة في الشرق بجميع طوائفها وليس الكنائس ذات الطقس اللاهوتي الشرقي كما هو معلوم .

......................

زيارة رعوية مباركة لسيادة مطران السريان الأرثوذكس في كندا الى مقاطعة البرتا

قام سيادة المطران أثناسيوس ( ايليا ) باهي مطران السريان الأرثوذكس لعموم كندا بزيارة رعوية الى مقاطعة البرتا في غرب كندا حيث انها الزيارة الأولى لسيادته بعد تسنّمه منصبه الجديد في كندا .

وقد أقام سيادته قداساً الهياً لجميع المؤمنين في مدينة كالكري في يوم الأحد المصادف الثلاثين من تشرين الثاني ( نوفمبر ) في كنيسة بشارة مريم العذراء للروم الأرثوذكس .

وقد غادر سيادته في اليوم التالي ( الإثنين ) المصادف الأول من كانون الأول ( ديسمبر ) الى مدينة أدمنتن عاصمة إقليم البرتا ، حيثُ أقام قداساً الهياً آخراً بعد ساعاتٍ قليلةٍ من وصولهِ لجمعٍ من المؤمنين في تلك المدينة ، إذ برزت الوحدة الكنسية والقومية باروع صورها من حيث تواجد فسيفساء المذاهب المسيحية من رجال دين ومؤمنين ومن خلال الخطوات الأولى للتحضير والتهيئة للقداس ، إذ قدمَ الأب أسبر أنطون راعي كنيسة سيدة المعونة للطائفة المارونية الكاثوليكية التي جرى فيها القداس الإلهي كل التسهيلات الممكنة لبلوغ القداس غايته المقدسة .

وقد حضر القداس الأب أسبر أنطون والأب الياس فرزلي راعي كنيسة الروم الأرثوذكس والأب جاك ( يعقوب ) يعقوب الذي رافق سيادة المطران في زيارته وجمعٌ غفير من المؤمنين من جميع المذاهب المسيحية حيث تكلل إتحادهم الإيماني بتناول القربان المقدس .

بعدها جرت مراسيم تعميذ الطفل داني ( دانيال ) عادل أديب الدبّاغ , وبعد الإنتهاء من تلك المراسيم دُعيَ جميع الحضور لحفلة العشاء المقامة من قبل الجالية على شرف المطران الجليل إيليا باهي وبقية رجال الدين الأفاضل في قاعة الكنيسة , حيثُ كانت فرصة مناسبة لي للقاء سيادته لإجراء لقاءاً مطوّلاً معه ولقاءاً آخراً مع الأب أسبر أنطون راعي الطائفة المارونية الكاثوليكية في إقليم البرتا سيتم نشرهما لاحقاً .

وفي اليوم التالي ( الثلاثاء ) غادر مدينة أدمنتن سيادة المطران الجليل عائداً الى مدينة كالكري بصحبة الأب جاك يعقوب والدكتور عبد الاحد قوريو اللذين رافقا سيادته في جولاتهِ الرعوية .

نتمنى لسيادته طيب الإقامة وسلامة العودة الى تورنتو حيثُ سيمضي فيها مدة أسبوع لخدمة الرعية هنالك ثم يغادر بعدها عائداً الى مقر إقامتهِ في مونتريال .

 

 

 

 

 

 

 

..................................................

 

سلسلة بطاركة ساليق وقطيسفون أو بطاركة بابل / 1

 

ترددتُ قليلاً في البحثِ في كتابِ المطران الجليل سليمان الصائغ رحمه الله ( من تاريخ الكنيسة الكلدانية ) وذلك لقِدَمهِ والذي عرّبهُ عن الفرنسية عندما كان لا يزال كاهناً وأعتقد بأن زمن تعريبه أو طبعه يقع ما بين 1939م 1943م ، وذلك لزوال الغلاف وعدم إستطاعتي حصر تاريخ طبعه بشكل دقيق .

والكتاب من تأليف نيافة أمير الكنيسة الجليل الكردينال أوجين تيسران أمين سر المجمع المقدس للكنيسة الشرقية في الفاتيكان ، كما جاء في الخلاصة الثمينة للمعرّب الموجودة بعد مقدمة الكتاب .

 

والكتاب هو خُلاصة ثمينة لبحث نيافة الكاردينال أوجين تيسران حول تاريخ الكنيسة الكلدانية والذي يؤكد وجود الكلدان كقومية ( طائفة ) * قائمة بذاتها وممتدة عبر القرون الاولى لنشأة وظهور المسيحية وإنتشارها .

وقد جلب إنتباهي بأن المُعرّب القس سليمان الصائغ والمعروف ببحوثه القيّمة والمعتمدة على المصادر الموثوقة قد  وحّدَ إذا جاز التعبير اللغة الكلدانية والآشورية ، حيث ذكر في معرض تعريفه بنيافة الكاردينال أوجين تيسران ( مؤلف الكتاب ) بانه راسخ القدم في الدروس الشرقية ويحمل الشهادات العالية في ست من لُغات الشرق هي العربية والكلدانية ( الآشورية )* واليونانية والعبريّة والقبطية والمصرية القديمة !!

كذلك جلب إنتباهي فصله اللغة العربية عن الكلدانية ( الآشورية ) وهذا طبيعي من وجهة نظري ( لان اللغة العربية مندحرة من القسم الجنوبي للغات السامية ، أما اللغة الكلدانية الآشورية فمنحدرة من القسم الشرقي للغات السامية ) وبهذا يدحظ بما لا يقبل الشك والتأويل الإعتقاد من بعض الأخوة الكُتّاب والباحثين من ان أصل الكلدان هُم من طائفة العرب !! إذ ان من أهم مقومات القومية هي اللغة ، واللغة الكلدانية ( الآشورية ) كما أطلق عليها المطران سليمان الصائغ تختلف كتابة وقراءة عن اللغة العربية إلا في بعض المفردات اللغوية  إضافة الى إختلاف المقومات الأخرى بين القوميتين العربية والكلدانية .

 

كما حدثني أحد تلامذة الأب العلامة الدكتور يوسف حبّي عن موقف حدث عندما كان يَدرُسُ في كلية بابل الحبريّة للفلسفة واللاهوت حيث ان الأب يوسف حبّي كان غاضباً جداً على أحد الآثاريين المعروفين حين صرّح في أحد لقاءاته من ان الكلدان أصلهم من العرب ، إذ طلبَ الأب يوسف من هذا الشخص مغادرة الكلية وقال لهُ والعهدة على الراوي ( لماذا تأتي الى هذه الكليّة ما دمت قد غيرت أصلك ) والمعروف عن الأب حبّي بانه منفتح على الجميع ولكنه لم يكن ليرضى بتشويه الحقائق والتاريخ .

 

أن البحث المُقدم في الكتاب يحتوي على اثني عشر  فصلاً هي :

( 1 ) نظرة إجمالية  ( 2 ) إنتشار البشارة الإنجيلية في عهد الدولة الفرثية  ( 3 ) الكنيسة الفارسية في الدولة الساسانية  ( 4 ) الكنيسة النسطورية في حكم الدول العربية  ( 5 ) البعثات الدينية الى الهند  ( 6 ) التوسع الى آسيا المركزية والى الصين  ( 7 ) الأحبار الأعاظم والكنيسة النسطورية في الأجيال المتوسطة  ( 8 ) الكنيسة الكدانية الكاثوليكية  ( 9 ) قائمة البطاركة النساطرة والكلدان ( موضوع مقالي هذا )  ( 10 ) الآداب الآرامية في الكنيسة الكلدانية  ( 11 ) الحق القانوني في الكنيسة الشرقية  ( 12 ) الليتورجية في الكنيسة الكلدانية وما قبلها .

 

يقول المُعرِّب القس ( المطران فيما بعد ) سليمان الصائغ في فصل بطاركة ساليق وقطيسفون أو بطاركة بابل ما يلي :

 

جمعَ السمعاني * سلسلة البطاركة بعد مراجعته النسخ القديمة في المكتبة الفاتيكانية . ومن أهم المراجع هو كتاب النحلة لسليمان مطران البصرة . وقد أضاف اليهِ النساخ فبلغوا بسلسلتهِ الى شمعون الثالث . ورجع أكثر المؤرخين في هذا الباب الى ماري بن سليمان وعمر بن متى وصليبا بن يوحنان في كتاب المجدل ، والى ابن العبري في تاريخه الكنسي . وعنيَ السمعاني خاصة في ضبط هذه السلسلة وإقتبس منه المشتغلون في تاريخ الكنيسة الكلدانية من المتأخرين .

ولم نأل جُهداً بدورنا ان نرجع الى الذين سبقونا في هذا العمل وأضفنا اليهم ما إستفدناهُ من الأنصاب الجنائزية للبطاركة المدفونين في دير ربّان هرمزد إستناداً الى الخلاصات التي جمعها الأب فوستي الدومنيكي .

ان المؤرخين الشرقيين دوّنوا في مقدمة هذه السلسلة ، مار توما الرسول وادي ، وأجي ، وماري الأول ، وابريس ، وابراهام الأول ، ويعقوب الأول ، واحادابوي ، وشحلوفا .

 

مدينة الكرسي في ساليق وقطيسفون ما عدا القليلين :

 

فافا في الربع الاخير من القرن الثالث وبداية القرن الرابع .

مار شمعون الأول بر صباعي  17  نيسان  341 م

مار شهدوست                                     342 م

بربعشمين                                          348 م

فراغ ـ ـ ـ ـ                                          348 م 388 م

تومرصا                                                -

قيوما    ( إستقال )                                399 م

إسحق الأول                                        399 م 410 م

أحي                                                  411 م 414 م

يابالاها الأول                                       415 م 420 م

معنا                                                  420 م

فرابوخت                                            420 م

داديشوع الأول                                     421 م 456 م

بابوي                                                457 م 484 م

اقاق                                                  485 م 496 م

باباي                                                 497 م 503 م

شيلا                                                  505 م 522 م

نرسي واليشاع                                     524 م 537 م أو 539 م

بولس الأول        أحد السعانين                537 م  والأصح  539 م

آبا الأول             كانون الثاني                 540 م 29 شباط 552 م

يوسف               ايار                            551 م 566 م

حزقيال               كانون الثاني                567 م 581 م

يشوعياب الأول الارزوني                        582 م 595 م

سبريشوع الأول                                    596 م 604 م

غريغوريوس الأول        نيسان                605 م 609 م

فراغ ـ ـ ـ ـ                                           609 م 628 م

يشوعيات الثاني الجدلي تكريسه بين 11 أيار و 30 آب 628 م 646 م

ما رامه                                               647 م 650 م أو 644 م 647 م

يشوعياب الثالث الحديابي                        647 م أو 650 م 658 م

كيوركيس الأول                                    661 م 681 م

يوحنا الأول  بر مرتا                              681 م 683 م

حنا نيشوع الأول الأعرج                         685 م 700 م

يوحنا الابرص    مختلس المنصب     بين    691 م 692 م أو 693 م

فراغ ـ ـ ـ ـ                                           700 م 714 م

صليبا زخا                                            714 م 728 م

فراغ ـ ـ ـ ـ                                            728 م 731 م

فثيون                                                 731 م 740 م

آبا الثاني                                             741 م 751 م

سورين          12  ايار 26  ايار            754 م

يعقوب الثاني                                        754 م 773 م

حنا نيشوع الثاني                                   773 م 780 م

 

* الطائفة : تدل على ان معنى الكلمة هي مجموعة أو جماعة من الناس تحيا في مكانٍ ما ويجمعُ معظمها خصائص وصفات مشتركة وليس من الضروري ان يكون لهم نفس المستويات الثقافية أو الإنتماءات العشائرية أو يكون لديهم نفس العادات والمعتقدات ، كما وان كلمة ( الطائفة ) يمكن إطلاقها على السَلف بغض النظر من اي مكان إنحدر ذلك السَلف .

والطائفة من الطوف أي الجماعة وتأتي مفردة مؤنثة بإعتباراللفظ وجمع مؤنث بإعتبار المعنى . وقد إستخدم العرب أسم المِلَلْ لاطلاقهِ على الطوائف الدينية . وفي حديث للاديب الياس الخوري ( في معنى الطوائف ) حيث قال:أما اليوم نستخدم كلمة طائفة لا للدلالة على مجموعة من الناس قد تنتسب الى حرفة أو مكان جغرافي بل للدلالة على ملـّة دينية ، وقد تحولت الى ما يشبه الإنتماء السياسي شبه القومي ( يمكن الرجوع الى مقالى البحثي المعنون مهلاً يا شعبنا ـ ـ فان إطلاق تسمية طائفة علينا لا يُعيبنا بشئ ) .

 

*  تقول المصادر التاريخية ان الفرع الشرقي من اللغات السامية لايضُم إلا اللغة الأكادية وهي لغة شعب بلاد الرافدين وهي أقدم لغة سامية تم تأكيد وجودها استناداً على معطيات وبراهين ملموسة واولها النصوص المسمارية ، حيث كانت اللغة الأكادية مستعملة في بلاد ما بين النهرين منذ حوالي الألف الثالث قبل الميلاد وحتى نهاية القرن الثاني أو الثالث الميلادي ، وقد تطوّر منها لهجتان هما البابلية في جنوب العراق والآشورية في شمال العراق .ومن المصادر ما تقول ان اللغات السامية الشرقية انقسمت في لهجاتها الى البابلية والآشورية والكلدانية .

 

* هوالسيد يوسف السمعاني مؤلف كتاب ( المكتبة الشرقية ) .

 

 الجزء الثاني

 

المقدمة :

ذكرتُ في الجزء الأول من هذا المقال بطاركة بابل الذين جلسوا على الكرسي البطريركي في ساليق وقطيسفون ( ما تعرف بالمدائن أو سلمان باك أو سلوقية وتقع على بعد بضعة كيلومترات الى الجنوب الشرقي من بغداد ) ، حيثُ إكمل في الجزء الثاني البطاركة الذين جلسوا على الكرسي البطريركي في بغداد وبقية أنحاء بلاد ما بين النهرين ( العراق ) .

 

كما وان من الملاحظ من قراءة الجزء الأول ومن ثم الجزء الثاني هذا لسلسلة بطاركة بابل ما يلي :

 

1 بالرغم من الإضطهاد الفارسي للمسيحيين منذ القرون الميلادية الأولى وإعتناق شعب ما بين النهرين الديانة المسيحية ولغاية الحقبة الإسلامية التي إبتدأت بدخول الإسلام الى العراق نُلاحظ بقاء الكرسي البطريركي في ساليق وقطيسفون ، إذ شهدت تلك الحِقبة الزمنية الممتدة عبر الحُكم الفارسي إزدياد الإضطهاد ضدّ المسيحيين في بلاد ما بين النهرين الى أعلى درجاته تارة ( الإضطهاد الاربعيني الذي إبتدأ مع إعتناق الإمبراطورية البيزنطينية للمسيحية في عهد الإمبراطور قسطنطين ) وإنخفاضه وغض النظر عن نشاط المسيحيين تارة اخرى ، حيث كان آخر البطاركة الذين خدموا في ساليق وقطيسفون هو حنانيشوع الثاني من سنة 773 م 780 م .

 

2 ثبات واستقرار الكرسي البطريركي في بغداد ( بعد تشييدها من قِبل الخليفة ابو جعفر المنصور ) في فترة الخلافة العباسية وتحديداً مُنذ السنوات الأولى لخلافة هارون الرشيد ( فترة حُكم هارون الرشيد تمتد ما بين 786 م 809 م ) وعلى الرغم من ان المسيحيين في عهد الخلافة العباسية لم يكونوا بأحسن حال من فترة تعايشهم مع الفرس ، إلا ان حاجة الخلفاء العباسيون للخدمات الجليلة التي كان يقدمها المسيحيون الشرقيون بصورة عامة ( من عرب وسريان ) في مجالات الطب والعلوم والترجمة والفلسفة والهندسة المعمارية والتي كانت من أهم الأسس لتدعيم ركائز الدولة العباسية والدولة الإسلامية بصورة عامة والذي حدا بمعظم الخلفاء العباسيين المتعاقبين على الخلافة الى إعطاء بعض ( الحرية ) للمسيحيين في ممارسة شعائرهم الدينية وقد انتهت فترة تواجد الكرسي البطريركي في بغداد مع نهاية خدمة البطريرك دنحا الأول سنة 1281 م .

 

3 من الجدير بالملاحظة ايضاً إنتقال الكرسي البطريركي من مدينة الى أخرى في بلاد ما بين النهرين وعدم إستقراره في مكان واحد خلال فترة الإحتلال المغولي للعراق ( إمتد ما بين 1258 م 1508 م ) وهذا يدل على ما أصاب المسيحيين بشكل خاص و ( بشكل اكثر من المعتاد ) والعراقيين بشكل عام من جور وإضطهاد خلال تلك الفترة حتى إستقر مقر الكرسي البطريركي في دير ربان هرمزد مع إستلام البطريرك شمعون السادس المسؤولية سنة 1504 م ثم تلتها فترات الفرس الصفويين بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي ( 1508 م 1534 م ) ثم فترة الاحتلال العثماني الذي إنتهى بنهاية الحرب العالمية الأولى 1918 م .

 

4 إنتقال الكرسي البطريركي الى الموصل مرة ثانية مع إستلام البطريرك يوحنا الثامن هرمز مسؤولية الرعية سنة 1830 م وبقيّ مقر الكرسي في الموصل الى منتصف فترة خدمة مار يوسف السابع غنيمة حيث انتقل مقر الكرسي الى بغداد ( أعتقد بسبب تكريم مار يوسف السابع غنيمة كعضو في مجلس الأعيان كان عليه التواجد في العاصمة بغداد وكان هذا سنة 1951 م ) بعدها تم تثبيت مقر الكرسي في بغداد رسمياً من قبل البطريرك مار بولس الثاني شيخو ولحد كتابة هذه السطور .

 

5 تجدر الملاحظة أيضاً الى ان هذا البحث يُبين بان أطول فترة لخدمة البطاركة كانت من نصيب البطريرك ايليا الثاني عشر دنحا ، إذ إمتدت الى ما يقارب الخمسة وخمسين عاماً ونصف ثم يليه البطريرك مار يوسف عمانوئيل الثاني توما والتي إمتدت فترة خدمته الى ما يقارب سبعة وأربعين عاماً .

أما أقل البطاركة خدمة فكانت محصورة ما بين البطريرك إسرائيل الكشكري الذي أختير فقط وأغتيل سنة 877 م والبطريرك قيوما حيث نصّب وإستقال سنة 399 م .

 

6 من الملاحظ كذلك بان سلسلة البطاركة في بحث القس ( المطران ) سليمان الصائغ توقفت عند فترة خدمة البطريرك مار يوسف عمانوئيل الثاني توما والذي وضع لها المؤلف الفترة من 1900 م الجالس سعيداً ، حيث ان فترة خدمة مار يوسف عمانوئيل الثاني توما إمتدت الى سنة 1947 م ، إذ ان المؤلف قد الّفَ كتابه خلال فترة خدمة البطريرك ما يوسف والذي كان لا يزال جالساً على الكرسي البطريركي. لذا أرتيتُ ان أكمل السلسلة ومواقع الكرسي البطريركي والمعروفة لدى المهتمين والباحثين :

 

مار وسف عمانوئيل الثاني توما                1900 م 1947 م    ( الموصل )

مار يوسف السابع غنيمة                        1947 م 1958 م     ( الموصل ثم بغداد )

مار بولس الثاني شيخو                          1958 م 1989 م     ( بغداد )

مار روفائيل الأول بيداويد                       1989 م 2003 م      ( بغداد )

غبطة الكاردينال مارعمانوئيل                  2003 م أطال الله في عمره   ( بغداد )

الثالث دلّي

 

7 تجدر الإشارة الى ان الكثير من الباحثين والمهتمين قد تطرقوا الى سلسلة بطاركة بابل ومنهم الباحث الاب البير أبونا والباحث جورج البنّا وغيرهم وهنالك تقارب في معظم البحوث من حيث دقة التواريخ والأسماء . ولكن كتاب القس ( المطران ) سليمان الصائغ قد غطى معظم البطاركة وفترات خدمتهم وقد استدل ببعض الشواهد على ذلك ( النصب الجنائزية ) المُثبتة على أضرحة قسم من البطاركة .

 

8 لقد غطى كتاب القس سليمان الصائغ كذلك بطاركة السلسلة الثانية على كرسي ديار بكر والتي أرتأيت عدم نشرها مع قائمة بطاركة السلسلة الأولى لعدم إرباك القارئ الكريم والتي تتداخل فيها التواريخ . وسبب نشأة السلسلة الثانية هو قيام الإتحاد الأول لكلدان ما بين النهرين 1551 م 1662 م ، حيثُ كانت الجثلقة النسطورية وخلافاً للرسوم وللقوانين الكنسية جمعاء قد آلت الى التراث بان يتوارثها الأقارب منذ سنة 1450 م وفقاً لمرسوم أصدرهُ الجاثاليق شمعون الرابع ، إلا ان العصيان من قسم كبير من الشعب النسطوري على هذا المرسوم حدث بعد وفاة شمعون السابع المعروف بابن ماما ( بر ماما ) حيث تم إختيار رئيس دير ربان هرمزد سولاقا بن دانيال كبطريرك أول للسلسلة الثانية وحصل بعد ذلك على مباركة الفاتيكان حيث أصبح إسمه يوحنا شمعون الثامن .

 

الكرسي في بغداد :

طيمثاوس الأول                                                                    الأول من ايار 780 م 789 م كانون الثاني 823 م

يشوع برنون                                                                  السادس من تموز 823 م 1 نيسان 828 م

كيوركيس الثاني                                                                                     828 م 830 م أو 831 م

سبريشوع الثاني                                                             السادس من آب    831 م 10 تشرين الثاني 835 م

ابراهام الثاني المرجي                                                      23 تموز             837 م 16 أيلول 850 م

تاودوسيوس الأول ( سليمان البصري : اثناسيوس )                                        853 م تشرين الثاني 858 م

سركيس الأول                                                                21 آب               860 م 23 أيلول 872 م

( اسرائيل الكشكري أختيرَ فقط وأغتيلَ سنة 877 م )

انوش الأول                                                                                           877 م أيار 884 م

يوحنا الثاني  بر  نرسي                                                    11 أيلول             884 م 891 م

يوحنا الثالث                                                                   15 تموز            893 م 899 م

يوحنا الرابع  بر  ابجر                                                       الثامن من أيلول   900 م 16 أيار 905 م

ابراهام الثالث ( باجرمي )                                                                         905 م 936 م

عمانوئيل الأول                                                                16 شباط           937 م 14 نيسان 960 م

اسرائيل الأول                                                                                        29 أيار أيلول 961 م

عبديشوع الأول                                                               22 نيسان           963 م 2 حزيران 986 م

ماري  بر  طوبيا                                                              17 أيار              987 م 16 كانون الأول 999 م

يوحنا الخامس بن عيسى                                                    26 تشرين الثاني  1000 م 2 كانون الأول 1011 م

يوحنا الخامس نازوك                                                        19 كانون الثاني  1012 م 23 تموز 1016 م

يشوعياب  بر  حزقيال                                                       11 كانون الأول   1020 م 14 أيار 1025 م

ايليا الأول                                                                      16 حزيران         1028 م 6 أيار 1049 م

يوحنا السابع بن الطرغال                                                                          1049 م 1057 م

سبريشوع الثالث زنبور                                                     25 آب               1064 م 3 أيار 1072 م

عبديشوع الثاني بن العريض                                               23 تشرين الثاني  1075 م 2 كانون الثاني 1090 م

مكيخا الأول                                                                    18 نيسان           1092 م 1110 م

ايليا الثاني بن المقلي                                                         16 نيسان           1111 م 17 تشرين الثاني 1132 م

برصوما الأول                                                                  5 آب                1134 م 11 كانون الثاني 1136 م

عبديشوع الثالث بن المقلي                                                  13 تشرين الثاني 1139 م 25 تشرين الثاني 1148 م

يشوعياب الخامس البلدي                                                                           1149 م 25 أيار 1175 م

ايليا الثالث ابو حليم                                                           25 كانون الثاني   1176 م 12 أيار 1190 م

يابالاها الثاني                                                                   3 حزيران          1190 م 31 كانون الثاني 1222 م

سبريشوع الرابع  بر  قيوما                                                 31  تموز         1222 م 15 حزيران 1224 م

سبريشوع الخامس بن المسيحي                                           26 نيسان          1226 م 20 أيار 1256 م

مكيخا الثاني                                                                    4 نيسان            1257 م 18 نيسان 1265 م

دنحا الأول                                                                       15 تشرين الثاني 1265 م 24 شباط 1281 م

 

الكرسي في مراغا :

يابالاها الثالث                                                                                         1283 م 13 تشرين الثاني 1318 م

 

الكرسي في أربيل :

طيمثاوس الثاني                                                                                       1318 م 1332 م

 

الكرسي في كرمليس:

دنحا الثاني                                                                                        بعد 1332 م 1364 م

 

الكرسي في الموصل

شمعون الثاني  و شمعون الثالث*

ايليا الرابع                                                                                              1437 م

شمعون الرابع الباصيدي                                                 حزيران              1437 م 20 شباط 1467 م ( ن.ج )*

 

الكرسي في الجزيرة ( جزيرة ابن عمر ) :

شمعون الخامس                                                                                   1497 م 1501 م

ايليا الخامس                                                                                       1502 م 1503 م ( وردت في رسالة

مطارنة الهند عند السمعاني 3 ، أ ، 592 )

الكرسي في دير ربان هرمزد :

شمعون السادس                                                                                 1504 م 5 آب 1538 م ( ن.ج )

شمعون السابع  بر  ماما                                                                       1538 م 1551 م

شمعون الثامن دنحا                                                                            1551 م تشرين الثاني 1558 م ( ن.ج )

ايليا السادس                                                                                     1558 م 1576 م

ايليا السابع                                                                                       1576 م 26 أيار 1591 م ( ن.ج )

ايليا الثامن                                                                                       1591 م 26 أيار 1617 م ( ن.ج )

ايليا التاسع شمعون                                                                            1617 م 8 حزيران 1660 م ( ن.ج )

ايليا العاشر يوحنا مروجين                                                                  1660 م 17 أيار 1700 م ( ن.ج )

ايليا الحادي عشر مروجين                                                                1700 م 14 كانون الأول 1722 م ( ن. ج )

ايليا الثاني عشر دنحا                                      25 كانون الأول               1722 م 12 نيسان  1778 م

ايليا الثالث عشر يشوعياب                                                                   1778 م 1804 م ( ن.ج )

 

الكرسي في الموصل :

يوحنا الثامن هرمز                                        المُثبت في الخامس من تموز 1830 م 16 آب 1838 م

نيقولاوس الأول شعيا ( زيا )                           المُثبت 27 نيسان        1840 م المُستقيل 1847 م والمتوفي 1855 م

يوسف السادس أودو                                     المُثبت 11 أيلول                 1848 م 14  آذار 1878 م

ايليا الرابع عشر عبو اليونان                           المُثبت 28 شباط                 1879 م 17 حزيران 1894 م

عبديشوع الخامس خياط                                 المُثبت 28 آذار                   1895 م 6 تشرين الثاني 1899 م

يوسف عمانوئيل الثاني توما                            المُثبت 17 كانون الأول         1900 م الجالس سعيداً

 

ارجو ان اكون قد وفقت في إعطاء بعض من التوضيحات التي ساعدت على الاجابة على بعض علامات الإستفهام عند قراءة الجزئين الأول والثاني ( الأخير ) من هذا المقال .

 

 

 

*        هنالك فترة 73 سنة ممتدة ما بين 1364 م 1437 م توزعت الخدمة فيها بين البطاركة شمعون الثاني وشمعون  الثالث وايليا الرابع من غير ذكر المدة بشكل منفرد لكل بطريرك منهم .

 

*         لقد ذكرتُ بان القس ( المطران ) سليمان الصائغ كان قد إعتمد في بحثهِ على بعض التواريخ المُثبتة على شواهد القبور والاضرحة لبعض البطاركة ( النُصب الجنائزية ) الموجودة  في دير ربان هرمزد والتي اعطاها الرمز ( ن.ج ) .

 

إنتهى الجزء الثاني والأخير

.......................................

 

الى لبنان المُوّحد ـ ـ ـ كانت قضيتنا فصارت قضيتكم وكان هَمّنا فصارَ هَمّكُم

 

من يقرأ تاريخ كنيسة المشرق يرى التداخل الواضح الذي لا يمكن فصلهِ بين مؤمنيها ، فطقوس كنيسة المشرق الدينية بمذاهبها وإن إختلفت قليلاً بطريقة عرضها وتأديتها إلا أنّ جوهرها وروحانية ممارستها متطابقة تماماً . كما وان مسيحيي المشرق يمتازون كونهم منحدرين من سكان المشرق الاصليين ، كما وانهم من الأقوام الأولى التي إعتنقت الديانة المسيحية ونشرتها في أرجاء المعمورة منذ القرن الثاني والثالث الميلادي . *

 

وقد تجسد هذا التطابق والتلاحم في كثير من المواقف ومنها الموقف الأخير الذي وقفهُ وبكل وضوح مسيحيي لبنان مع إخوانهم وإمتدادهم مسيحيي العراق بشكلٍ عام ومع مسيحيي الموصل في الأحداث الأخيرة بشكلٍ خاص .

فقد توحد لبنان بكل أطيافه ومكوناته من مختلف الأديان والإتجاهات بالوقوف ذات الوقفة المُشرّفة ، حيثُ سارعت الرابطات والاحزاب اللبنانية وبدعوة مشكورة من رئيس الرابطة السريانية الاستاذ حبيب أفرام الى عقد لقاء مُوسع يوم السبت المصادف الثامن عشر من تشرين الأول / 2008 وأعلنت عن بيانها التضامني مع مسيحيي الموصل وطالبت الحكومة العراقية والامم المتحدة وكل دول العالم بالتدخل لوقف الإبادة الجماعية والتهجير القسري لشعبنا المسيحي في الموصل ، كما أتصل رئيس الرابطة السريانية بلجان التبرعات وحسب ما نُشر في الإعلام للوقوف على طريقة دعم مسيحيي الموصل مادياً .

 

وفي ذات اليوم تحوّل الحفل التأبيني لذكرى إستشهاد رفيق الحريري الى مظاهرة لدعم مسيحيي الموصل والعراق ، حيثُ ناشد النائب سعد الحريري رئيس تيار المستقبل بوقف حمامات الدم ضد مسيحيي الموصل والعراق ، وقبلهما أنتخى رئيس حزب الكتائب اللبناني الشيخ أمين الجميل للمسيحيين في العراق والموصل ووضع القوات اللبنانية على أهبة الإستعداد لمد يد العون لإخوانهم مسيحيي العراق ليس للقتال وتدمير العراق كما يفعل الدخلاء من الدول المجاورة وإنما للمساعدة في وقف أعمال العنف والقتل والتهجير ضد المسيحيين في الموصل وقد كان وحسب ما ذكرت الأنباء على إتصال مباشر بشرائح من أبناء شعبنا المسيحي . كذلك سخـّر وسائل إعلام القوات اللبنانية ومواقعها على الانترنيت لنصرة إخوانهم مسيحيي الموصل والعراق .

 

كذلك موقف رئيس مجلس النوّاب اللبناني نبيه بري وإتصاله بعمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية ومطالبته له بعقد إجتماع عاجل على مستوى وزراء الأوقاف لبحث جريمة قتل وتهجير المسيحيين من الموصل .

 

لقد أصبحت قضية المسيحيين في العراق قضية لبنان كله بالرغم مما يُعانيه إخواننا في لبنان من ذات المشكلة !! وعمليات التهميش والإقصاء التي يُحاول البعض تمريرها .

وإنني كمسيحي عراقي تملّكني الفرح والسرور في خِضّم المآسي والأحزان التي كانت وما زالت تعصفُ بنا من جراء ما حدث لأهلنا في الموصل لهذا الموقف المشرف الذي أعطى زخماً كبيراً للصبر والمطاولة والوقوف بصلابةٍ وإيمانٍ قويين ضد الهجمة التكفيرية والطائفية الشرسة ضد شعبنا المسالم .

وحيثُ إننا نُحب أن نطمئن الشيخ أمين الجميل بان إخوانكم المسيحيين في العراق لديهم من الحُلم والحِكمة والصلابة والإيمان ما يجعلكم تفتخرون بهم ، كما لديهم من القوة ما يعجز عن ملاقاتهم رعاع القوم وخفافيش الليل وفئران الجحور .

حيث إننا نأمل ان لا يدفعنا غيّ الاشرار لحمل السلاح بروحية الفرسان للدفاع عن أنفسنا ، إذ لا نرغب في إعطاءهم الفرصة والمُبرر لشن هجمات غادرة على المدنيين والنساء والشيوخ والاطفال كعادتهم دائماً .

ولنا في وسائلنا السلمية وتضامنكم معنا أملاً كبيراً في إجبار الحكومة الطائفية على تحقيق مطالبنا المشروعة في أرضنا وأرض أجدادنا ، كما ان وقوف العالم معنا سيجبرهم على حماية شعبنا من ( حُلفاءهم ) ومن التكفيريين الإرهابيين .

 

لقد كان لبنان في القلب وأصبح في القلب والعقل والوجدان .

رحم الله شهداء لبنان بشير الجميل و رفيق الحريري وبيار أمين الجميل وكل من أستشهد في لبنان دفاعاً عن لبنان الحر المستقل ، فقد طالتهم نفس الايادي الارهابية التكفيرية والطائفية التي تطال الآن أبناء شعبنا في الموصل .

 

ودعائنا أن يعود لبنان سليم معافى يزهو ويفتخر بتحضّرهِ وإنفتاحهِ ويكون قبلة للسوّاح والزائرين وملجأ لطالبي الحرية والإنفتاح كما كان عهده دائماً . وشكراً لابناء لبنان الأوفياء الموحدين الذين أوصلوا أصواتهم الى أبعد بقاع الأرض لنصرة الحق .

 

*  لم أرغب في هذا المقال الدخول في بيان الفرق بين كنيسة المشرق والكنيسة الشرقية وما يتبعهما وارباك القارئ الكريم ، إذ إنني أميل الي توحيد التسميات أوعلى أقل تقدير مقاربتها وإعطاءها الشمولية في تمثيل الجميع ، حيثُ انها ليست موضوع البحث في المقال ولكنها كانت مقدمة للدخول في موضوع المقال .

 

.......................................

 

في ذكرى رحيل العلامّة الأب الدكتور يوسف حبّي

" لن أ ُرثيك "

 

الى الذي غادرنا جسده على حينِ غفلة :

من أين أبدأ والى أين أنتهي ـ ـ ـ فقد لا تتسع كُتب ومجلـّدات حين أكتب عن ذلك الجسد النحيل الصغير بحجمهِ ـ ـ العظيم بمحتواه ـ ـ ـ الهادئ في تواجدهِ ـ ـ ـ صاحب الصدر الواسع الرحب والملقى الطيب ـ ـ ـ سوف لن أتكلم عن ورعك وتقواك ولن أبدأ وأتكلم منذُ كُنتَ صغيراً ، فانا لا أتذكر من ذلك غير ما تذكرهُ لي الوالدة ( أم سالم ) حينَ كُنتَ تأتي وتنزوي في ركنٍ من أركان بيت خالك ـ ـ ـ لا تتكلم إلا إذا سألوك ولا ترفض طلباً لأحد إذا طُلِبَ منك المساعدة أو قضاء حاجةٍ ما ، لكنني سأتكلم عن بعضِ مما يتسعُ لهُ هذا المقال .

لقد لَبستَ ثوب الرهبنة وأنت صغير وحملت َ صليبك وتبعتَ ملككَ الذي تربعَ على عرشِ الفردوس وها أنتَ تستشهد من أجلهِ ولإداء واجب كنيستك التي آمنتَ بها وجهدتَ طوال حياتك لترفع من شأنها مع بقية المُبشّرين ـ ـ ـ وها أنت تستشهد من أجلِ جماعتك الذين جاهدتَ حياتك كلها لتجمع شتائت أسلافهم ولتقدمها لنا كتباً قيمةً ومراجع عظيمة ننتهل منها ما فعلهُ أسلافنا الكلدانيين والأشوريين والسريان والعراقيين بصورةٍ عامةٍ من خلال أربعة حضارات عظيمة قديمة ـ ـ ـ  فقد أحببتَ كُتبكَ وقد أحبتـّكَ كُتبكَ .

كيف لي أن أصف شعوري حينما كنتُ أتصفحُ أي مرجع أو كتاب يتكلم عن الحضارات القديمة وأرى أسمك يتكرر بين سطور المراجع التي إستند اليها المؤلف في كتابهِ ، فكان إسمك يتكرر في الكتاب الواحد أكثر من مرّة !! ، حتى وأنا في بلاد الغربة كنتُ واثقاً من إنني سأجد أسمك أمامي حينما كنتُ أطالع كتاب أستعيرهُ من المكتبة ، وكان يحدثُ هذا دائماً .

فقد كنتَ جالساً في غرفتك الصغيرة ـ ـ ـ الكبيرة بمحتواها الأدبي في ذلك الدير النائي في أحد أطراف بغداد الجميلة ولكن كُتبك وأسمك كانا يجوبان العالم ـ ـ ـ الم أقل لك بأنك الهادئ دوما ً !!!

وكيف أصفك حينَ قصدتك في بغداد لامرٍ ما وطلبتُ منك الرأي والمشورة ، فأستقبلتني كعهدكَ دائماً مع الجميع فَرِحاً مسروراً بإبتسامتك المعهودة وذراعيك اللتين لا أشكُ بأنهما إحتضنتا كل البشر في وقتٍ ما ودعوتني الى الجلوس بجانبك حيثُ أبتدأتُ الكلام حتى خُيـّلَ اليّ بأنني كنتُ أتكلم مع ذاتي وحيداً بين جدران غرفتك الاربعة أو صومعتك التي ما كنتَ تبرحها إلا قليلاً ، فقد كُنتَ هادئاً كعادتك وكانت أصابعك تداعب بعضاً من شُعيرات رأسك وكُنتُ أعلمُ بانك كنتَ تفعلُ هذا عندما تريد التأمل بعمق في أمرٍ ما !! حتى إنتهيتُ مما كنتُ أنا فيهِ فخرجَ صوتك هادئاً رخيماً عذِباً بكلمات قصيرة وعميقة وقُلتَ لي ليباركك الرب فيما نويتَ ، فخرجتُ من عندك وكأنني قد ملكتُ جناحين كبيرين لأطير بهما!!!

 

وعندما كنتَ تزورنا في الاردن كان لقاءنا بك كلقاءنا بكل العراق فكانت زيارتك لنا أو زيارتنا لك تمحي عنّا كل الهموم وأولها هموم الغربة وتعطينا زخماً كبيراً للصبر والمطاولة ـ ـ ـ كنّا نتحدث بعدها أياماً وأياماً عن السويعات القليلة التي قابلناك فيها فتطول بنا حتى تصبح تلك السويعات أياماً وأشهراً .

وحين دعوتنا الى محاضرتك القيمة التي حاضرت فيها في قاعة عبدالحميد شومان وكان موضوعها الخلود فقد كُنّا نُصغي اليك مع جميع الحضور وبإهتمامٍ شديد ، حيث تكلمتَ عن الخلود وحسبيّ كنتَ تعلم بأنك ستكون من الخالدين !!

نعم لقد رحلَ الجسد ووارى الثرى ولكن روحك عانقت الثرية وستبقى خالدة تطوف بيننا ما حيينا من الزمن ـ ـ ـ كما وان مؤلفاتك ومآثرك ستبقى خالدة وستتناقلها الاجيال ـ ـ ـ نعم لقد نُلتَ الخلود عن جدارة ودخلتَ اليه من أوسع أبوابهِ .

 

كانت صِلاتك عميقة مع الجميع فلم أرى في حياتي إنساناً يعرفهُ الجميع مثلك ، فقد كانوا معارفك ومحبيك من جميع الاديان والمذاهب والقوميات بل من جميع بلدان العالم وكثيراً ما كنتُ أشك وانا واقفاً معك بين تلك الجموع بانهم الأقرب اليك مني انا ابنُ خالك ، فهنيئاً لك بمحبتهم التي سوف لن يُمحيها غياب جسدك !!

 

نعم لن أرثيك وأنت الباقي معنا دائماً وستبقى روحك الطاهرة تطوف بيننا ، ولن أرثيك لاني لا أزال وسأبقى أعتبرك حياً بيننا .

 

أما في محيط أهلك وعشيرتك فقد كُنتَ الطاولة التي يجتمع حولها الفرقاء وقد كنتَ توصينا بالمحبة وكان شعارك هو شعار سيدك وسيدنا المسيح : مَن أحبني أحب الناس أجمعين ـ ـ ـ ونحن ( قليلي الايمان ) لم نكن نعلم ماكنتَ تقصد ، فقد كنت تعطي بدون ان تأخذ وعسى ان يكون رحيل جسدك هو الناقوس الذي يُذكّرنا دائماً بتلك الكلمات ونفعل ما كنت تُنادي به إكراماً لك .

وها هم أقربائك ومحبيك جميعهم وإن إختلفوا إلا إنهم بكوّا بمرارة لفقدانك ـ ـ ـ الم أقل لك أنت مائدتنا التي كنّا نجتمع حولها جميعنا !!

هكذا كنتَ وهكذا ستبقى الى الأبد فلا يزال صدى صوتك يتردد في أذني لآخر أتصال هاتفي كان بيننا عندما كنتَ في ايطاليا للعلاج ، حيثُ سألتك عن الوطن والناس والحصار وقلتَ لي وأنت المُتكتم الهادئ دوماً بانك تحاول فعل شئ وانشاء الرب خير !!!! ولم تُكمل ما في داخلك من كم ٍ هائل ٍ من المعلومات !!!! وأحترمتُ رغبتكَ وكعادتي لم أسئلك عن المزيد من التفاصيل ولا أعلم هل انه سوء حظ العراقيين أم ان أحداً لايريد الخير لهذا البلد حيثُ تسارعت الاحداث وإختطفتك يد المنون على حين غفلة ؟ !! حتى ان لقاءك في قناة الجزيرة القطرية لم يُبث إلا بعد وفاتك وكإنهم كانوا على موعد لسماع نبأ رحيلك ولا أعلم هل هي الصدف أم شئ آخر !!!

 

ابن خالك

كُتبت في كندا في الثامن عشر من تشرين الأول / 2000

 والقيت في اربعينية الفقيد

 

...................................

 

الصليب وعيده ونشيده الذي نظـّمه الأستاذ يقين الأسود ؟

 

من المعروف في كل أرجاء المعمورة بأن للصليب قدسيتهِ عند المسيحيين قاطبة ً بعد ان صُلبَ عليهِ مُخلّص البشرية يسوع أبن مريم ، وهو رمز الإنتماء المسيحي حيث ُ يُعرّف المسيحيين أنفسهم برسم علامة الصليب على جباههم أو صدورهم .

 

وقد كان الصليب قبل أن يُصلب عليه أبن الانسان يسوع الناصري رمزاً للاداة التي يصلب عليها المُجرمين حتى جاء المسيح وأخذ موقعه على الصليب فتغيّر الحال ، إذ إتخذهُ مبشري الدين الجديد علامة ً ورمزاً لهم لإعتبارات كثيرة منها التضحية التي ضحّاها يسوع الفادي حينَ صُلبَ على الصليب بعد أن إجتاز طريق الألآم مُبشّراً بعهدٍ جديد وحياة جديدة لجميع البشر وناشراً بينهم السلام والمحبة .

 

وتجدر الاشارة هنا الى ان هنالك إختلافاً بسيطاً في طريقة رسم علامة الصليب بين بعض المذاهب المسيحية وهي لا تُغير شيئاً من جوهر المعنى بأعتبار الصليب رمزاً للمسيحيين قاطبة ، إذ ان الجميع يُقدّسونهُ ويرسمون علامة بأسم الاب والإبن والروح القدس على صدورهم أو جباههم .

حيثُ ان الاب هو اله قائم بذاتهِ ـ ـ والإبن هو كلمة الله ـ ـ والروح القدس هي روح الله ، وهذه الاقانيم الثلاثة اي الصفات الجوهرية الثلاثة مُتفقة عليها كل الاديان السماوية .

 

ويعود سبب تعيين يوم خاص للاحتفال بالصليب الى مطلع القرن الرابع الميلادي عندما زارت هيلانة والدة الامبراطور الروماني قسطنطين بيت المقدس ، وقد كانت إمرأة تقيّة ومؤمنة حيثُ ذهبت للتبرك في الاماكن التي تردد عليها المسيح أثناء حياته ، كذلك للبحث عن الصليب . فأمرت جنود الامبراطورية المتواجدين في القدس بالبحث عن صليب المسيح ثم عادت الى القسطنطينية بإنتظار سماع الخبر .

وبعد البحث وجدوا الجنود ثلاثة صلبان ( على الارجح أحدهما يعود للمسيح والاخران للمدانيين اللذين صُلبا مع المسيح ) ، فأحتاروا في أيهما يكون صليب المسيح ، إذ جاءوا بالصلبان الثلاثة ووضعوها على فتاة عليلة بالتتابع وعندما لمس أحد الصلبان جسد المريضة بُرئت في الحال كما تؤكد المصادر ، فتأكدوا من انهُ الصليب الذي صُلب عليه المسيح .

 

عندها أرادوا القائمين بالبحث عن الصليب إرسال هذا الخبرالسار الى والدة الامبراطور والى جميع أرجاء الامبراطورية بأسرع ما يُمكن حيثُ لم يكن متوفراً في ذلك الوقت وسائل الاتصالات السريعة ، فعمدوا الى فكرة إشعال النار على المرتفعات ، كذلك وضعوا سفن الامبراطورية على مسافات مُتباعدة في البحر الى القدر الذي تستطيع كل واحدة منها أشعال النار لإشعار الاخرى بالخبر فربطوا بهذه الطريقة بين ساحلي البحر !! ووصل الخبر الى القسطنطينية بسرعة ، حيثُ عمّت الافراح وأقيمت الإحتفالات وبدءوا الناس بإخبار بعضهم البعض بإشعال النار . ولا يزال هذا التقليد متبع ليومنا هذا ، ولنفس السبب أُخِذت فكرة الالعاب النارية في السماء في عيد الصليب .

 

وقد تم إرسال جزء من الصليب الى البابا في روما والجزء الثاني بقيّ في القدس ، أما الجزء الثالث فأحتفظت به هيلانة في القسطنطينية .

 

وفي لقاء مُسجّل بين الاب الفاضل المرحوم فيليب هيلاي والاستاذ المرحوم المؤلف يقين الأسود في يوم الاثنين 23 / 9 / 1991 ، تطرق الاستاذ يقين الأسود الى نشيد نظـّمهُ عن الصليب ، حيث طلب منه المرحوم المطران جرجس قندلا عندما كان كاهناً على أبراشيّة مار توما للسريان الكاثوليك في الموصل في الخمسينيات من القرن الماضي وكان رئيساً لأخوية الصليب أن يُنظـّم له نشيداً عن الصليب فكان هذا النشيد :

 

عودُ الصليبِ الأوحـــــــــــد                رمـزُ المســـــيح ِ الأمجـــــــد

هلـّما بنا أيها الإخـــــــــوانْ                صلّـّوا وعظـّموه في كل آوانْ

عُلـّق عليه أبــــنُ الإنســـانْ                وهو المسيح أبنُ الرحمـــــنْ

ما أحلى الصليبْ

 

خشبـة ٌ هي رمـــز الشــــــرْ               أ ُعدّت ليســـــوع البـــــــــارْ

يا شعبَ المسيح اليهِ إنصتوا               وأنفسكم لهُ أ ُوقفــــــــــــــوا

بتجلّةٍ بـهِ إهتفـــــــــــــــــــوا               وهو بكـــــم دوماً يرأفـّـــــوا

الأبــــنُ الحـبـيـبْ

 

أيـــها الصليب زدْ إيماننــــا                أضـــرم نارَ حُبـــــكَ بـِنـــــــا

وفق الشباب كي يُجــــاهدوا               لنشـــر ِ إسمك ويتحـــــــــدوا

وقـُسـُسُـكَ الاماجــــــــــــدوا               ليتفقــــــــــوا ويعضـــــــــدوا

أيهـــــــا الصليـــب

 

وقد لحنّهُ مؤلفهِ الاستاذ الفاضل المرحوم يقين أيليا الأسود على لحن مارش فرنسي قديم .

فتحية للصليب الذي أصبح رمزاً للسلام والمحبة بعد ان كان رمزاً للشر والجريمة وتحية لعيده ، وتحية لمؤلف نشيد الصليب الاستاذ يقين الأسود ، حيثُ أحتفظ لهُ بالتسجيل الكامل للمقابلة بينهُ وبين الاب المرحوم فيليب هيلاي .

 

>>>>>>>>>>

 

ما هي حكاية ( ظهور ) القديسة بربارة في كرمليس أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ؟

 

 

 

القديسة بربارة هي شفيعة كرمليس حيث ُ فيها كنيسة وتل باسم القديسة بربارة ويتم الإحتفال بذكراها في الجمعة الاولى من شهر كانون الاول من كل عام في كرمليس وذلك لضمان مشاركة جميع أهالي كرمليس والمناطق المحيطة بها لما للقديسة بربارة من مكانة متميزة في نفوسهم كما في نفوس المسيحيين قاطبة ً. غير انّ تذكار القديسة بربارة العالمي هو اليوم الرابع من شهر كانون الاول من كلِ عام .

 وهذا أحد الاسباب الذي جعل الاستاذ المرحوم يقين ( يوياقيم ) أبلحد الأسود ( وهو أحد المعلمين الذين كانوا قد خدموا في كرمليس لفترة طويلة ) قد فكرّ ( بتجسيد ) القديسة بربارة في عمل مسرحي كرّمَ بهِ أهالي كرمليس وقرقوش والمناطق المحيطة بهما والذين احبهم واحب بلدتهم كما هم أحبوه .

فعندما يكون العمل المسرحي مُتقن من نواحيهِ الفنيّة وبالامكانيات البسيطة المتوفرة في ذلك الوقت بدءاً بالتأليف ومروراً بالاخراج والديكور والماكياج وإنتهاءاً بالتمثيل فانهُ يعطي للمشاهدين إنطباعاً حقيقياً عن الموضوع الذي يبغي المؤلف إيصالهُ للمشاهدين ، حيثُ يعيشون أحداث العمل الادبي والفني بعفوية تشُدّهم اليه خاصة إذا كان هذا العمل عن شخصية دينية آمنوا بها وإتخذوها شفيعة ً لبلدتهم .

 

عند تصفحي لـ ( مخطوطة ) رواية * القديسة بربارة وجدتُ صعوبة في قراءتها وذلك لما تركهُ الزمن على حبر الكتابة من تأثير .

فقد ذكر المؤلف على غلاف الرواية ( المسرحية ) ، انه تم الانتهاء من تأليفها في التاسع من كانون الثاني سنة 1950 م ، وقد إعتمدَ في تأليفها على مصدرين : أولهما سيرة القديسين والثاني مرج الاخبار .

 

وحياة القديسة بربارة معروفة لدى المعنيين بتفاصيلها ولكن الكثير من عامة الشعب لا يعرفون عن القديسة بربارة غير انها اسشهدت دفاعا عن إنتماءها للمسيح وإيمانها به ِ .

 

لقد أفتتح مؤلف  الرواية (  التي تتكون من تسعة وثلاثين مشهداً موزعة على أربعةِ فصول ٍ ) المشهد الاول في مناجاة بربارة ( الابنة الوحيدة لرجل ثري يدعى ديوسكورس ) للخالق الذي أحسّت به في داخلها من خلال إحساسها لجمال الطبيعة وعظمة الكون والذي لا يمكن ان يكون من صنع أصنام آمنوا بها قومها واتخذوها آلهة ًلهم يقدمون لها الطاعة والولاء .

 

لقد تراءى لبربارة ( النور ) في نهاية النفق الفكري المظلم الذي كانت تعيشُ فيهِ ، فأسرعت مندفعة اليه غير مكترثة بما قد يصيبها من آذى على أيدي والدها وحاكم بلدتها المسماة نيقوميديا  والذي لقيّ في زمنه ِ الآف المؤمنين المسيحيين أشد وأقسى أنواع العذاب والقتل ، فأسرعت بطلب المعونة من الفيلسوف أوريجانوس ( معلم بربارة ومرشدها فيما بعد ) ليرشدها ويدلـّها على طريق الخلاص من هذا الصراع الفكري بين ما تعلمتهُ على ايدي كبار الاساتذة والحكماء الذين أستدعاهم والدها لتعليمها وتثقيفها وبين ما تراهُ من حولها في ذلك القصر الفسيح حيثُ أمتلئ بالاصنام والتماثيل التي آمن بها والدها وقدم لها الهدايا والطاعة .

 

بعد أن أمتلئ قلب القديسة بربارة بالايمان جاهرت بهِ أمام والدها القاسي والمتجبّر وأمام حاكم المدينة ولم تثنيها عن ذلك الترغيبات والتهديدات التي عرضها عليها كلاً منهما ، وبعد ان اصابهما اليأس من رجوعها عمّا عزمت عليهِ ، قرر والدها ترك حرية التصرف للحاكم مرقيانوس لمعالجة أمر إبنتهُ الوحيدة فادخلها السجن وأمر بتعذيبها بتمشيط جسدها الرقيق بالامشاط الحديدية وجلـْدَها وتعريتها والطوف بها في المدينة ليراها عامة الشعب ، وقد كتب المؤلف في ( روايتهِ ) أنشودة تنشدها القديسة بربارة في السجن تختصر فيها مأساتها وصلابتها تجاه من آمنت بهِ حيثُ تُنشِد قائلة :

 

بتٌ ُ في السجنِ وحيدة           ليس لي غير يســـــوع

انا بربارة الشــــــهيدة           فأحم ِ لي قلبي الهــلوع

وإقترب مني آلهـــــــي          أنتَ لي نِعمَ الينبـــــــوع

انتَ لي خير مســــــــل ٍ         انتَ لي درع منــــــــوع

 

جلدوني الف جلـــــــدة           مثلَ باقي المجرمــــين

بالســـــواد ميــــزونـي          عن جموع المشـــركين

بالسلاسل قيّدونــــــــي          يا لهم من ظالميـــــــــن

جوّعونــي عذ ّبونــــي           هؤلاء الكافـــــــــــرين

 

ما الـٌذ الموتُ حـبــــــا ً           بالمسـيـح ِ بن الرحمن

ما أحلى التعذيب يـــومَ           يبتغي المرءُ الغفــــران

فلِنـُسبّح نحنُ دومــــــاً           لك يا ســـرّ القربــــــان

نبتغي منك الســـــعادة            في عداد الصالحـيــــن

 

وبعدَ ان نال القديسة بربارة ما نالها من تعذيب أمر حاكم المدينة بقطع رأسها ، وقد أستسمحهُ والدها القاسي بتنفيذ الأمر بيديه ، فاخذها خارج المدينة ونفذ حكمهُ بالقديسة بربارة وفي طريق عودته ِ ضربتهُ صاعقة فأتت عليه ِ .

 

والقديسة بربارة كما تذكر بعض المراجع هي الابنة الوحيدة لرجل ثري إسمه ديوسقورس من مدينة نيقوميدية في أسيا الصغرى وكان وثنيا ً متعصبا ً لديانته ومشجعا ً لحاكم المدينة على إضطهاد وقتل اتباع الدين الجديد الذي آمن به الكثيرين واتـٌبعوا الشاب المصلوب يسوع . وتقول بعض المصادر بان القديسة بربارة ولدت في أوائل القرن الثالث للميلاد وقد ماتت والدتها وهي صغيرة ، فاقام لها والدها قصرا ً كبيرا وعزلها عن محيطها الخارجي ووضع في خدمتها طابوراً من الخدم والحرس ، كما جلب لها خيرة الاساتذة في مختلف انواع العلوم والثقافة ليقفوا على تربيتها ونشأتها ، وقد ذكرت بعض المصادر بان القديسة بربارة نالت الشهادة عام 235 م أبان الاضطهاد السابع الذي أثاره الامبراطور مكسيمانس الغوثي ضد المسيحية .

 

لم يكـُن سهلاً على مؤلف ومخرج ( الرواية ) الاستاذ يقين الأسود أن يجسّد شخصية دينية مهمة لها مكانتها المقدسة عند المسيحيين قاطبة ً خاصة وان الامكانيات كانت بسيطة في تلك الفترة وغير متوفرة ، فكان عليه ايجاد صيغة للتوافق بين زمن القصة وازيائها وبين الديكور والشخوص الذين لم يكـُن سهلا ً عمل الماكياج لهم لتغيير جنسهم واعمارهم ، خاصة وان العنصر النسائي لم يكن متوفرا ً ، فكان عليه إعطاء دور بربارة وزميلتها وخادمتها لشباب وتلاميذ في مدرسة كرمليس مع بذل جهد إضافي في عمل الماكياج لإخفاء ملامح الرجولة عند بعض الممثلين والذي زاده صعوبة هو اعطاء أكثر من دور لبعض الممثلين وهم يقفون على خشبة ( المسرح ) لأول مرة وذلك لقلة الممثلين . وحسب ما سمعتهُ من بعض الذين حضروا المسرحية فقد اجاد مؤلف ومخرج وعامل الماكياج ومصمم الديكور والمسرح بشكل عام الاستاذ يقين أبلحد الأسود في خروج هذا العمل بالصيغة التي أذهلت وأفرحت كل من شاهدها كما اجادوا الممثلين بأداء ادوارهم . حيثُ انه وفقٌ أيضا ً في إختيار مكان عرض مسرحيته ِ وهو بيت الراهبات في كرمليس ، فاعطى هذا الاختيار شعورا ً روحانيا ً إضافيا ً للحضور وقرّبهم أكثر باحاسيسهم ليعيشوا أجواء ( تجسيد ) هذه الشخصية الدينية المقدسة ، كما وانه وفقّ باستخدام بعض المؤثرات الصوتية والمرئية وذلك باستخدامه ِالخـُدع البسيطة المتوفرة حينذاك لاكمال العمل المسرحي ، فعلى سبيل المثال استخدم الالعاب النارية ( الصاعود ) ليكون بديلا ً للصاعقة التي ضربت والد بربارة بعد ان قطع رأس إبنته ، حيث ُ وجّهَ الصاعود الى سقف المسرح ليرتطم وينزل على خشبة المسرح محدثا ً ( رعدا ً وبريقا ً !! ) ففاجأ الحضور بهذه ِ الحركة بعد ان أطفأت القناديل ( اللوكسات ) التي كانت تُستخدم في ذلك الوقت لعدم توفر الكهرباء قبل ان ينطلق الصاعود الى سقف المسرح !! وقد ساعدته ُ مواهبه ُ المتعددة على تجاوز كثير من العقبات ِ منها الماكياج . فالاستاذ يقين الأسود إضافة لكونه ِ معلـّم فان ّ له مواهب الخط والرسم والتأليف المسرحي وكتابة  الشعر والمنلوجات ومنها منلوج ( الباقلي ) الذي يردده ُ بعض من أهالي الموصل في أعراسهم وأفراحهم وقيل انه تـُرجـِمَ الى اللغة الكلدانية ( الاشورية ) ، كذلك له موهبة التحنيط وكتابة الاناشيد الدينية والفعاليات والاستعراضات المدرسيّة ولا تزال عائلته تحتفظ ببعض ٍ من لوحاته الزيتية ، كما وانه ضليع باللغة العربية حيثُ ان ( روايته ) كانت بالعربية الفصحى ويجيد ايضا ً لغته الكلدانية قراءة ً وكتابة ً إضافة لكونه ِ شماسا ً غير مرسوما ً وعلى طريقة الطقس الكلداني القديم يساعده ُ في ذلك قوة صوته وشجنه . كما انّ له موهبة التمثيل حيث مثـّل دور الدرويش في مسرحية المثري النبيل لموليير التي مُثلت في دار المعلمين سنة 1937 م .

 

وقد حاولتُ جمع بعض المعلومات من معارفهِ وأقربائهِ لتقديمها للقرّاء وذلك لشحتها بسبب عدم نشره أيا ً من نتاجاتهِ ونشاطاتهِ ولهُ في ذلك أسبابه الخاصة .

 

إنٌ تاريخ تمثيل المسرحية يعود الى سنة 1952 م حسب المعلومات التي حصلتُ عليها ، وحيثُ ان تاريخ الانتهاء من تاليف ( الرواية ) المثبت على غلاف ( المخطوطة ) يشير الى التاسع من كانون الثاني من عام 1950 م ، فمن المُرجّح ان التحضير لهذا العمل المسرحي إستغرق أكثر من سنة ليخرج الى النور وذلك بعد أخذ الموافقات اللازمة ، إذ  انني وجدتُ في الصفحة الاخيرة ( للمخطوطة ) اشارة الى أمر متصرفية لواء الموصل المرقم 16652 في 23 / 7 / 1950 وبموجب كتاب وزارة الشوؤن الاجتماعية المرقم 8724 في 13 / 7 / 1950 .

واذا أفترضنا بأن مؤلف ومخرج المسرحية أبتدأ العمل حال حصوله على الموافقات فلربما أنجز العمل للعرض في عيد القديسة بربارة من السنة نفسها او السنة التي تليها بابعد الاحتمالات وليس سنة 1952 م وبهذه المناسبة أوجه ندائي الى أهالي كرمليس وقرقوش الاجلاء ومن حولهما أو أي شخص ٍ كريم ٍ لديهِ اية معلومة عن هذه المسرحية لاضافتها وتوثيقها .

 

كما وانني سارفق مع هذا المقال صورة الغلاف ( للمخطوطة ) والصفحة الثالثة حيث يبدأ المشهد الاول وسارفق الاسماء الاولى للممثلين المدوٌنة في الصفحة الاولى للرواية . وتجدرالاشارة الى ان ريع بيع تذاكر المسرحية ذهب القسم الاعظم منه الى دعم بيت الراهبات وما تبقى تم التبرع به لكنيسة كرمليس ، وحسب ما ذكره لي بعض الذين حضروا المسرحية فقد أستمر عرضها لثلاثة أيام متتالية وحضرها جمع ٌ غفير من أهالي كرمليس وقرقوش ( باخديدا ) وبعشيقة وبرطلة وقسم كبير من أهالي الموصل يتقدمهم مدير معارف الموصل ، كما حضرها المعلّم الفاضل والمؤلف المرحوم بهنام عبدالمسيح مؤلف كتاب قرقوش في ذمة التاريخ حيث كانت تربطه صداقة عميقة بالمعلّم يقين الأسود ، إذ كان ينعت أحدهما الآخر بابن الخالة ، كذلك حضرها القس ( المطران مثلث الرحمات ) المرحوم إسطيفان بابكا حيث هو الآخر له صلة قوية بالمؤلف والذي كان ينعت أحدهما الآخر بكلمة ( الاخ ) وكذلك كان من بين الحاضرين المرحوم الدكتور الاب يوسف حبّي وقد كان صبيا ً بعمر ثلاثة عشر عاما ً أو ما يزيد فالمؤلف المرحوم يقين الأسود هو خال الاب الدكتور يوسف حبّي ، وايضا ً حضر المسرحية شخصيات كثيرة ووجهاء كرمليس وقرقوش وبقية المدن والقصبات المسيحية الاخرى ، كما ان المطران سليمان الصائغ كان قد حث ّ المؤلف لتحويل المسرحية الى ( رواية ) لتمثيلها كفلم روائي طويل ولكن تسارع الاحداث السياسية في العراق حينذاك حال دون تحقيق ذلك . كما ان للمؤلف مسرحيات أخرى منها  يزداندوخت والحلاق الثرثار والحق يعلو وغيرها وجميعها لم تُطبع أو تُنشر .

 

أما اسماء الممثلين وادوارهم كما جاءت في المخطوطة فهي الآتي :

قام بدور والد بربارة التلميذ حنـّا ، ومثل دور القديسة بربارة سليمان ، ودور خادمتها أنيط  بالتلميذ بطرس ، كما مثل دور هيلين رفيقة بربارة يوسف كما وأخذ دور معلـّم بربارة أيضا ّ ، أما دور المعمار ( المقاول ) فمثلهُ ججو كما أخذ دورا ً آخرا ً وهو المسيح عند ظهوره على بربارة في السجن ، ودور حاكم المدينة تقمصهُ عيسى وأخيرا دوري الحارسين كانا من نصيب نوح ويوسف .

يظهر في أعلاه تكرار بعض أسماء الممثلين لأخذ أكثر من دور في المسرحية وربما هو تشابه أسماء أو ان الاستاذ يقين الأسود واجه صعوبة في إيجاد العدد الكافي للقيام بالادوار فأوكل أكثر من دور لبعض الممثلين مما تطلب جهدا ً إضافيا ً في تهيأتهم لاخذ أدوارهم اللاحقة ، كما تطلب جهدا ً كبيرا ً من الممثلين لتقمص أكثر من دور خاصة وانهم هواة تمثيل وليس محترفين .

 

تحية إجلال وتقدير الى المرحوم الاستاذ يقين الأسود وللممثلين على هذا العمل ، وتحية الى كلِ من شارك في أعدادها وتحية لاهالي كرمليس الاجلا ّء الذين دعموا هذا العمل ، حيثُ تبرع قسم ٌ منهم ( بتسليف ) قناديل الانارة ( اللوكسات ) لانارة المسرح الذي صنعتهُ أياديهم مشتركة في بيت الراهبات .

وتحية الى أهالي باخديدا ( قرقوش ) وبعشيقة وبرطلة والموصل وكل من حضر ، وساحاول في مقالات لاحقة تسليط الضوء على منلوجات الاستاذ يقين الأسود وعلى بقية أعمالهِ وأعمال بقية ( جنودنا المجهولين ) والذين أعطوا من جهدهم ومثابرتهم الكثير لشعبنا المسيحي بشكل خاص والعراقي بشكل عام .

 

* أرتأيت أن أنقل الصورة عن الاصل بالابقاء على تسميتها ( رواية ) كما هو ظاهر على صورة الغلاف ، ولكنني أستخدمتُ في بعض المقاطع اسم المسرحية وهو الأصح من الناحية الفنية واللغوية ويبدو بانه كان دارجا ً في ذلك الوقت إطلاق اسم الرواية على العمل المسرحي لعدة أسباب لا مجال لذكرها الآن .

 

سالم ايليا / كندا