شعـا عـان

هيثم بهنام بردى

 في الصورة الملصقة في اعلى الحائط كانت الطفلة الغضة الجالسة في خشوع وتبتل بين يدي شعاع ساطع ينثال من كوة غير مرئية تتمتم في براءة بكلمات نفيسة غير مسموعة ، وثمة في الكادر اخضرار زاهٍ ، قلبت الطفلة شفتيها – بغته – وافردت كفيها المتعانقتين ازاء حزمة الضوء واركنتهما على ركبتيها العاريتين تحدق في اشياء الغرفة ، كانت الغرفة صغيرة تنتشر العتمة في احشاءها وثمة ضوء او حزمة اشبه بالشعاع القدسي المنسل الى وجنتيها يتسلل من كوة مرئية تحت السقف الكونكريتي مباشرة نحو وجه رجل نائم وثمة في قسمات وجهه امائر الكلال والحزن ، كان ملفوفا ببطانية قديمة بلي لونها الحقيقي ، فوق سرير خشبي يزقزق بعنف لاية حركة ، ثم انساحت عيناها تجولان في ثنايا الغرفة ، وفي لحظة وجيزة احتوى بؤبؤاها كل التفصيلات :- الغبار المتراكم فوق الصندوق الخشبي القديم وعلى الفراش المتكوم فوق خشبة ترتكن على بضع اجرات من زواياها الاربع … فوق المنضدة الوحيدة وسط الغرفة ، وفوق القدور والاواني المهملة التي تنوء بفضلات قديمة وقد تعفنت قشور البصل والبامياء ، وسكين تنوء ببقايا لون أحمر باهت ، ومحبرة قديمة يغطي الغبار قاعدة عنقها الرفيعة ، واوراق ملقاة بجانبها تشف عن بياضها الناصع و ..

*    *    *

هبطت طفلة الصورة ، شع جو الغرفة بومض وتضوعت سماؤها بأريج الطفولة فتفتحت مناخر الرجل وسحب شهيقا عميقا ، زفر بقوة وببطء ثم ارتكن الى بلادته ونومه العميق، وقفت الطفلة في ارض الغرفة ، اقتربت من السرير بقدميها اللدنتين الحافيتين ، انحنت على الوجه تتأمله … طويل ، به تعب وحزن شفيف وثمة شعيرات بيضاء على الحنك وشعر يشتعل شيبا .

*    *    *

Text Box: ( 1 )
وقبل ان تمشي نحو الرجل النائم ، سعت نحو حزمة الشمس المؤتلقة بالضياء الصباحي وغرقت داخل شلاله ، غمرها الضوء وبانت البراءة في عينيها الناهلتين وجبينها الغض وخديها الورديين ، كان وجهها ككل ينضح شموسا ساطعة ، وانشأت تتأمل – من مكانها – ثمرة اتعابها :- الاواني نظيفة تلتمع ، ارضية الغرفة خالية من الاوساخ وقد رش اجرها الطيني المتناسق بالماء فتفشت رائحة الطين الرطب في الغرفة ، محبرة ينوس في داخلها الماء الازرق ، وثمة الى جانبها صحن ملئ بالبيض المسلوق وقطعة من الخبز البارد ، وعندما تاكدت من كل شيء بان الارتياح على محياها فمشت بحذر نحو السرير وانكبت على الوجه بهدوء وطبعت على جينه قبلة حب ثم طارت نحو الصورة وجلست تحدق في الوجه النائم بوداعة .

*    *    *

Text Box: ( 2 )
لو تهيأ للكهل الذي استيقظ مبهوتا والحيرة تصفد حواسه ولحظ الصورة الملصقة على الحائط قبالته لرأى الطفلة الراكعة بين يدي الشمس ومبدع الشمس ، تجلس امامه – داخل الاطار وفي المدى الاخضر – وجها لوجه ، وفي شفتيها طيف ابتسامة طفولية مشرقة .