لأعزائنا الصغار

رسامات

عيون بخديدا

Museum متحف

أرشيف الاخبار

فنانونا السريان أعلام

أرشيف الموضوعات

 

السينودس ...

        نفحة رسولية من أجل جماعة مسؤولة

                                                                                         

إن كنائسنا ومؤمنينا في الشرق شهدوا منذ عقود عديدة حروباً طاحنة وصراعات دموية عديدة، ولا زالت حتى الساعة وإنْ كانت بأنواع وبطرق غير التي كانت... هذه كلها أبعدتهم عن كنائسهم كما عمل الإرهاب في الحقبة الأخيرة على إضطهاد المؤمنين بشتى الطرق. كما عاشوا مظاهر قاسية ومآسي قادتهم إلى القلق على المصير وقلق العيش مع جيرانهم إذ يخافونهم ومن الآتي بوساطتهم، مما حدا بالبابا بندكتس السادس عشر أن يعلن أن للشرق الحبيب أيضاً "رجاءً جديداً" متمنياً أن تزدهر الكنائس الشرقية لتقوم بنشاط رسولي متجدد، وليعيد لكنيسة الشرق حيويتها ومشرقيتها وسموّ شهادتها وعمق رسالتها برجالها ومؤمنيها، ويكشف عن خوفه وخشيته من تقلص الوجود المسيحي بفعل تراجع الإيمان، إذ بقدر ما يكون الحفاظ على الإيمان بقدر ذلك سيستمر وجودنا في الشرق الأوسط. والكنيسة في شرق أوسطنا تعيش في عالم مطبوع بالإقتتال والإنقسامات وبالمواقف المتطرفة والمهلكة أحياناً، مما يحدو بالمسيحيين أن يتحملوا كل أنواع الصعوبات والتي وصلت في بلدنا الجريح إلى حدّ الإستشهاد، والعلامة الشاهدة على ذلك مذبحة كنيسة سيدة النجاة وغدر مرتكبيها وخيانة مخططيها الذين قتلوا الأبرياء وهم في حضرة الله، ولا خطيئة لهم إلا لكونهم مسيحيين ليس إلا!.

كما إن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم العربي في هذا الزمن _ والذي يسمونه ربيع العرب _ والواقع المأسوي الذي يُرسَم لمستقبل مبهم، كلها مخاض عسير وحقبة لم تشهدها بلداننا الشرق أوسطية منذ العشرينات إبان حكم العثمانيين ولحد اليوم، حيث تفكيك السلطة من أجل نيل الحرية والإستقلال. وأصبحنا نعيش في عصر مختلف في كل الإتجاهات وقد فسد الكثير من أهله، وصراعات لم تكن في الحسبان وأهمها الصراع بين الدين والعلمنة، وهو أقوى بكثير من صراع السلاح والحرب.

ففي ضوء هذه الأحداث والتحولات السريعة التي يشهدها العالم العربي، والتغييرات والعنف والإنتفاضات، يدفعنا الهمُّ ونتساءل: أين موقعنا؟... ما هو مصيرنا؟... ماذا تقول كنيستنا وما هي رؤيتها؟... هل يقرأ رجالها الأحداث بعين الإيمان من أجل المستقبل والوجود، أم بعين القلق والرحيل ، أم لا ناقة لهم ولا جمل في المسيرة ؟... وما هو تقييمهم لما يحصل من الظلم تجاه مسيحييهم أو مؤمنيهم؟ هل لهم شجاعة في الايمان والكلمة ليقولوها حقاً؟... وهل أن السينودس كان فعلاً حلاً وعَنصرة لما يحمله المؤمنون من هموم؟... كما هل عُقد السينودس ليرتب بلبلة الأفكار في وحدة إيمانية وإنسانية، ويجعل رؤية واضحة وصحيحة لما يجري، ويعلن حقيقة الواقع دون خوف، مؤمناً بقول الرب يسوع:"لا تخافوا، أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (متى 20:28).

نعم، لقد أدرك البابا بندكتس السادس عشر المخاطر التي تحيق بعالم الكنيسة الشرق أوسطية، كما أدرك تخوفه من أن تفقد الكنيسة ثبات وجودها وعمق هويتها وأصالة إيمانها ونزوح أولادها وفقر مؤمنيها، فكان أن أعلن عن دعوته لإنعقاد سينودس خاص بكنائس الشرق الأوسط من أكتوبر الماضي (تشرين الأول 10-24/2010). وفي هذا أصاب قداسته المعضلة في عمقها وقوة مركزها، وأدرك _ وأكيداً بقوة الروح القدس _ أنه لابدّ من سينودس يدعو الكنيسة إلى تعميق مفهوم الشركة ورسالتها في الشهادة مع الكنيسة الكاثوليكية الأمّ، وكذلك مع الكنائس الأخرى على قول بولس الرسول:"إذا تألم عضو..." (1كو 26:12).

فإذن كان إنعقاد السينودس نقطة إنطلاق وثبات في الإيمان، وشهادة في الحياة، وشجاعة في إعلان البشارة... من أجل أن تواصل الكنائس الشرقية نشاطها الرسولي والمعهود، منتظرة بذلك إلى عظمة الرسالة التي أُوكلت إليها، فهي في ذلك أمام مسؤوليات كما هي أمام تحديات. وإذ نحن بانتظار الإرشاد الرسولي الذي سيوقّعه قداسة البابا بندكتس السادس عشر، فبامكاني أن أقول كمؤمنٍ بالحدث المقدس: إن السينودس ما هو إلا نداء واعد، ودعوة متواصلة لتقوية العزيمة وعدم الخوف من الآتي أو الهرب منه، بل الثبات في الإيمان المسيحي في عَنصرة ألفية من أجل الشهادة الإيمانية.

Ѻ فالسينودس يطالبنا بأن نحافظ على وجودنا وإظهار هويتنا، وتلك حقيقة لا يجب أن نبيعها أو نتاجر بها بأموال الزمن، ولا يمكن إفراغ شرقنا ووطننا وحارتنا من وجودنا، ولا أن يقال عنا "كانوا هنا يوماً"، فالوجود المسيحي ميزة لهذا الشرق، ولابدّ من التمسك بالأرض، معتبرين أن حضورنا المسيحي ما هو إلا واجب وحق، وحضورنا يعني تجذرنا في شراكة مع الآخرين ليس إلا!.

Ѻ السينودس يقودنا إلى أن نسير في دروب الشهادة إذا احتاجت ضرورة الإيمان ودعوة الكنيسة. فأجدادنا وآباؤنا ساروا في تلك الطريق دون خوف من أجل الثبات في الإيمان، فهو دعوة شجاعة لنا ولجماعتنا المسيحية كي نظل متجذرين في أرض أجدادنا في شراكة القلب والنفس مع جميع المؤمنين المعمَّذين، متابعين بذلك وباختيارنا حياة الشهادة في رسالة المحبة، والإستشهاد في سبيل الحقيقة.

Ѻ السينودس فرصة يدعونا جميعاً إلى لملمة ما تبقى لنا وفينا، لنجد أين أصبحنا من دورنا المسيحي العربي. فصوت البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني لا زال صداه يرنّ في آذاننا وهو يقرأ الإرشاد الرسولي من أجل لبنان "رجاءً جديداً للبنان سنة 1995"... إنه بلد الرسالة... أنتم تحملون اليوم رسالة كنائس الشرق أوسطية... إنها رسالة شراكة وشهادة من أجل تثبيت الهوية المسيحية.

Ѻ السينودس يعلمنا _ وإنْ كنا قد أصبحنا بقية صغيرة بفعل التاريخ _ عبر سلوكنا أن نصبح اليوم حضوراً يُحسب له حساب إذا ما أدركنا عظمة موهبة الخالق التي منحها لنا لكي نعيش في شرقنا، فهو من أرضنا ومن تفكيرنا، وعبره يكون خلاصنا حينما نكون مؤمنين حقيقيين له.

Ѻ السينودس يدعونا إلى أن نثابر وبكل همّة على مواصلة الحوار المحب، حوار الحياة المستمر مع إخوتنا المسلمين، كما يقول البابا بندكتس السادس عشر، "من أجل إكتشاف القيم الدينية واحترام الآخر، لأن ذلك ما هو إلا خيار ولابدّ منه" كونه حاجة حياتية بها يرتبط مستقبلنا، وتستنير طرق معيشتنا، وتكثر سبل تواصلنا وتعايشنا، عاملين على أن لا تكون نوائب الدهر الماضي والحالي سبباً في حرمنا من قطف ثمار الشراكة الإنسانية العربية كي نكون تبّاع، وإنما في السير سوية وبناء جسور ثقة، وهادمين جدران فصل من أجل صون الحقوق الإنسانية والحرية الدينية وحرية التعبير. فمشرقية مسيحيتنا كانت ولا زالت السبّاقة في زرع الفكر المُحب، والمناداة بالمواطنة الصالحة وقيم المساواة والعيش المشترك مساهمة من كنائسنا في زرع بذور السلام والدفاع عن قيمه، وكما يقول البطريرك بشارة الراعي:"إن التعايش مع المسلمين ممكن إذا تم التوصل لعيش هذا المفهوم، مفهوم الدولة التي تحترم البُعد الديني. نحن متعطشون للبقاء سوية والعيش المشترك مع الدين الإسلامي، ونتمنى أن يكون هذا التعايش مرغوباً لدى المسلمين" (مؤتمر صحفي في الفاتيكان أثناء إنعقاد السينودس في 22/10/2010).

Ѻ السينودس، يقول قداسة البابا بندكتس السادس عشر... في هذا الحدث... الله يرى هذه المنطقة من العالم من منظور مختلف "من الأعلى"، فهي أرض إبراهيم وإسحق ويعقوب... أرض الخروج والعودة إلى المنفى... أرض الهيكل والأنبياء... ونحن أيضاً كمؤمنين ننظر إلى الشرق الأوسط بهذه النظرة من منظور تاريخ الخلاص (عظة البابا في الافتتاح، الجمعة 10/10/2010)، من أجل حاضر ومستقبل مؤمني وشعوب الشرق الأوسط، كما أنه حدث كنسي، وإنه ليس ثمرة إستحقاقاتنا كما يقول قداسته،بل هو هبة صنعها الله لنا، وأضاف:"نحن ندرك بأننا صغار ومحتاجون للخلاص ،  للرحمة، ندرك بأن منه يأتي كل شيء، وبنعمته فقط سيتحقق كل ما قاله لنا الروح القدس، هكذا فقط نستطيع "العودة إلى البيت" مغتنين فعلاً أكثر براً وأكثر قدرة على السير في دروب الرب" (ختام السينودس 24/10/2010).

Ѻ السينودس يدعونا نحن أبناء الشرق كي نكون علامات، لندرك كم هي جسيمة تلك المسؤولية التي وُضعت على عاتق رؤسائنا والمؤمنين، وكم نحن بحاجة أن نملأ أعماقنا من حقيقة الإيمان والحياة، وكم نحن بحاجة أيضا هذه الأيام إلى أن نفتح آذاننا لا فقط لنسمع صراخ الناس الرازحين تحت تهديدات خطيرة، بل لنفهم رسالة المحبة وقبول الاخر وإن كان عدّوي، قبل أن نهتم بصراخنا وأنانيتنا ومصالحنا، وانعزالنا عن الأخرين بحجة أنهم لا يوافقوننا في الفكرة والمسيرة ، ونرى ثقل الحياة الذي تقاسيه شعوب المنطقة، والذين يعيشون الحقيقة بصمت وإيمان منتظرين كلمة الرب الفاصلة، والتي تعلّمنا أنه لا خوف في الحياة ولا قلق من الآتي مهما تعددت طرق مواجهة خط الإستسلام للتشاؤم والحزن وظلم الأبرياء، بل نكون علامات رجاء وأمل، حاملين إعلان الإنجيل فوق هامتنا، بل عبر أفئدتنا، وفي ذلك نكون أمناء لدعوتنا وأوفياء لرسالتنا.

Ѻ السينودس رجاء ننتظره وهو لا يخيب في المسيح يسوع، كونه هو العناية الإلهية التي أعلنت أن "لا تخف أيها القطيع الصغير" (لو 32:12). وهذا الرجاء يدعونا أن نظلّ متجذرين في أرض أجدادنا في شراكة مع جميع المؤمنين، ليس فقط أمانة وحفظاً على الوجود والهوية والتراث، بل أيضاً كي نتابع باختيارنا هبة الله، ونبقى منفتحين على الجميع دون الوقوع في الأنانية والطائفية." فنحن نحمل كما يقول البطريرك بشارة الراعي تراثاً كبيراً وغنياً ومسؤوليتنا ليست في التغني به إنما الحفاظ عليه ، كما أنه يتميز بالهوية والوطنية والثقافية وعلينا أن نعشق ونفتخر بحضارتنا وثقافتنا تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً "

Ѻ السينودس، مهمته إعلان الحضور المسيحي ، عبر عنصرة جديدة حيث يسكب الرب روحه على شعبه المؤمن لتكون للكنيسة روحا جديداً وقلباً جديداً ، وكيفية إستمراره في الشرق، والشهادة المسيحية لقيم الإنجيل وليسوع المسيح، وهذا من أسمى أهدافه، إذ كان فرصة لأنجلة الإنسان المسيحي من أجل "قراءة لاهوتية" على ضوء كلمة الله للأحداث التاريخية التي أوجدتنا في هذا الشرق، والذي فيه نريد أن نشهد. وكما قال قداسته:"نحن ندرك بأننا صغار ومحتاجون للخلاص وللرحمة، ندرك بأن منه يأتي كل شيء، وبنعمته فقط سيتحقق كل ما قاله لنا الروح القدس في أن نحمل نور ورجاء معزٍّ"... ويضيف قداسته:"حتى لو كانوا قلّة عددية، لكنهم حاملو البشرى السارة لمحبة الله للإنسان، محبة تجلّت بالذات في الأرض المقدسة في شخص يسوع المسيح" (24/10/2010).

Ѻ سيبقى السينودس أسئلة مفتوحة لا جواب لها في المدى المنظور، القريب أو البعيد، إلا بقدر ما يكون جوابنا وقبولنا وإيماننا. وسيبقى ملفاً كبيراً على درج الحياة إذا كنا لا نحيا فقراته وتوصياته كمواطنين أصيلين وأصليين، ساهموا ولا يزالوا يساهمون في عيش إيمانهم ونهضة أوطانهم، كونهم أهل الأرض ومالكي ترابها وليسوا غرباء أو دخلاء أو نزلاء أو طارئين عليها، فمسيحيو مشرقنا تشتتوا في ما وراء البحار ولنعلم كلنا أنّ الخلاص من وضعنا المأسوي لا ياتي إلا من إنتمائنا الى المسيح بقوة الروح القدس الذي يدافع عنا وهو الذي يجمعنا ويوّحد كلمتنا ، إنها لغة التواصل مع لغة والسنة الأخرين .

Ѻ السينودس، ختاماً أقولها، ما هو إلا صوت الكنيسة الجامعة، والرسالة تدعونا _ عبر إيماننا بحدث الكنيسة وعنصرتها _ أن نكون صوتاً سينودسياً صارخاً. فلا نُخفت صوتَ السينودس بقولنا ماذا فعل لنا؟... وما الذي قدّمه لنا؟... وكم أتألم حينما أسمع ذلك من رفاق المسيرة وآل البيت، فما ذلك إلا إثارة لأوهام في النفوس (لو 38:24)... فصوت السينودس يخفت بسببنا، ويعلو بسببنا. فإذا عشنا صوتَه في أعماقنا، جعلناه صوتاً صارخاً. وإذا ما أهملنا ذلك فالويل لنا، فقد دفنّاه قبل أن يدفنه غيرُنا وعدوّنا. وبذلك نكون قد أخطأنا تجاه أمّنا الكنيسة _ شئنا أم أبينا. فصوت السينودس هو صوت الكنيسة، صوت الحبر الأعظم، صوت الآباء الأجلاء... وما نحن إلا رسل أمناء لإيصاله إلى آذان المؤمنين، فلهم آذان لكي يفهموا، وصوته يفتح أذهاننا لنفهم الكتب (لوقا 45:24). وإيماني بذلك دفعني أن أكتب وأحرّر مقالاتٍ عدّة منذ الدعوة إلى إنعقاده وأثنائه وانتظار توصياته رغم صعوبات المسيرة وزؤان الحياة، كما يدعونا السينودس الى عدم التنازل حسب قول البطريرك بشارة الراعي "عن القيم الاخلاقية والانسانية والروحية ونهوى في متاهات الجهل الديني والاعتباط الاجتماعي ونخسر معنى الرسالة كون مجتمعنا مهدّد بامراض كثيرة وخطيرة منها الاستهتار في الخلقيات التي كانت رصيدنا ".

نعم، أؤمن أنه عَنصرة جديدة إذا عشناه، وما علينا إلا أن نُعلِنَه من على منابر كنائسنا، ومقاعد دراستنا، ومناهج تعليمنا المسيحي، ولقاءات شبيبتنا، ومقاسمات حياتنا، وتكريس أنفسنا، حينها نجد أن الروح استقرّ على رؤوسنا..." وان النفحة الرسولية قد ملأت عقولنا وانارت بصائرنا فنكون بذلك جماعة مسؤولة تعمل وتثابر بروح رسولية تعيش ما تعلّم وتعلّم ما تعيش" ( البطريرك بشارة الراعي ) إنه روح السينودس... كما استقرّ في العليّة... يستقر علينا في هذا الالف الثالث... ونحن شهود على ذلك (لوقا 48:24).